أحببتك متأخرًا - رواية رومانسية - روايات رومانسية جديدة

لم يعد الصمت ممكنًا.

عاد يوسف إلى منزله تلك الليلة وهو يشعر أن كل ما كان يؤجله بدأ يطالبه بالحسم. لم يعد الأمر مجرد إحساس غامض أو ارتباك مؤقت، بل أصبح واضحًا بشكل لا يحتمل التأجيل.

جلس وحده، وأعاد كل ما حدث بينه وبين ليان في الأيام الأخيرة. كل كلمة، كل نظرة، كل لحظة قرب… وكل مرة تراجعا فيها قبل أن يقول أحدهما الحقيقة كاملة.

“مش هينفع نفضل كده.”

قالها بصوت مسموع هذه المرة.

لم يكن القرار سهلًا، لكنه كان ضروريًا.

في اليوم التالي، لم ينتظر أن تحدث صدفة جديدة. لم يذهب إلى المقهى، ولم يمر بالحديقة. هذه المرة، قرر أن يبحث عنها بنفسه.

أرسل لها رسالة.

“محتاج أكلمك.”

لم تمر دقائق حتى جاءه الرد.

“فين؟”

توقف للحظة، ثم كتب:

“الحديقة.”

جاء الرد سريعًا:

“ماشي.”

أغلق الهاتف، وأخذ نفسًا عميقًا.
لم يكن خائفًا من اللقاء… بل من الكلام الذي سيقوله.

وصل قبلها، كالعادة.
جلس على المقعد، نظر إلى الشجرة، ثم إلى المكان الفارغ حوله.

“المرة دي… مفيش هروب.”

قالها لنفسه.

بعد دقائق، جاءت.

ليان.

كانت تمشي بخطوات ثابتة، لكنها لم تكن مريحة كما في المرات السابقة. كان واضحًا أنها تعرف أن هذا اللقاء مختلف.

وقفت أمامه.

“يوسف.”

“ليان.”

لم يجلسا مباشرة.
بقيا واقفين للحظة، كأن الوقوف أسهل من المواجهة.

ثم جلسا.

الصمت كان حاضرًا… لكنه لم يكن طويلًا هذه المرة.

يوسف بدأ.

“أنا مش هلف وأدور.”

نظرت إليه.

“أنا كمان مش عايزة لف ودوران.” قالت.

هز رأسه.

“تمام.”

سكت لحظة، ثم قال:

“أنا بحبك.”

قالها بوضوح.

بدون تردد.

بدون محاولة تخفيفها.

الصمت الذي تبع الجملة… كان مختلفًا.

ليان لم تتحرك.

لم ترد.

فقط كانت تنظر إليه.

كأنها تنتظر أن يضيف شيئًا… أو يشرح.

لكنه لم يشرح.

لم يعد هناك ما يُقال أكثر من ذلك.

“عارفة.” قالت أخيرًا.

تجمد.

“عارفة؟”

هزّت رأسها بهدوء.
“من ساعة ما قولت.”

سكت.

ثم قال:

“طب وإنتِ؟”

نظرت إليه.

السؤال كان متوقعًا… لكنها لم ترد فورًا.

تنفست ببطء، ثم قالت:

“أنا كنت بحبك.”

الكلمة خرجت بهدوء… لكنها كانت ثقيلة.

“كنتِ؟” سأل.

“آه.”

“يعني إيه؟”

نظرت إليه مباشرة.

“يعني كنت… قبل ما تمشي، وقبل ما تسكت، وقبل ما أقرر إني أمشي أنا كمان.”

سكت.

شعر أن الجملة حملت سنوات كاملة.

“ودلوقتي؟” سأل.

سكتت.

ثم قالت:

“دلوقتي… مش عارفة.”

الكلمة كانت صادقة.

ومؤلمة.

“مش عارفة علشان إيه؟” قال.

“علشان فيك… وفي عمر… وفي نفسي.” قالت.

صمت.

“أنا مش بلعب.” أضافت.

“وأنا كمان.” قال.

نظرت إليه.

“طب إنت فاهم اللي إحنا فيه؟”

“فاهم إننا واقفين بين حاجتين.”

“إيه هما؟”

“بين اللي كان ممكن يحصل… واللي حصل فعلًا.”

سكتت.

ثم قالت:

“وإحنا اخترنا التاني.”

“يمكن من غير ما ناخد بالنا.” قال.

“بس اخترناه.” ردّت.

صمت.

“يوسف…” قالت بهدوء.

“نعم؟”

“أنا مش قادرة أكون ظالمة.”

“لمِين؟”

“لك… أو ليه.”

فهم.

عمر.

“أنا مش بطلب منك تكوني ظالمة.” قال.

“طب إيه؟”

“بطلب تكوني صادقة.”

نظرت إليه بتركيز.

“ولو الصدق… وجع؟”

“يبقى لازم يتقال برضه.” قال.

سكتت.

ثم قالت:

“الصدق بيقول إني محتارة.”

“والقلب؟”

نظرت إليه.

لم تجب.

لكنه فهم.

اقترب قليلًا.

“ليان… بصيلي.”

نظرت إليه.

“إحنا الاتنين عارفين إن اللي بينا… مش عادي.”

“عارفة.” قالت.

“وإنه مش جديد.”

“عارفة.”

“وإنه كان موجود… وإحنا سكتنا.”

“عارفة.”

“طب ليه نخليه يضيع تاني؟”

سكتت.

السؤال هذه المرة…

كان أقرب للإجابة.

لكنها لم ترد.

“أنا مش بطلب منك قرار دلوقتي.” قال.

“بس بطلب منك… ما تهربيش.”

نظرت إليه.

ثم قالت:

“وإنت؟”

“أنا وقفت أهرب.” قال.

سكتت.

ثم وقفت.

“أنا محتاجة وقت.”

“وقت لإيه؟”

“علشان أكون صادقة بجد.”

وقف معها.

“وهتاخدي قرار؟”

نظرت إليه.

“هحاول.”

الصمت رجع.

لكن هذه المرة…

كان فيه شيء مختلف.

لم يكن نهاية.

كان بداية مواجهة.

“يوسف…” قالت.

“نعم؟”

“إنت فعلاً اتأخرت.”

ابتسم بحزن خفيف.

“عارف.”

“بس…” سكتت.

“بس إيه؟”

نظرت إليه.

وقالت بهدوء:

“مش عارفة إذا كان التأخير ده… خلّى كل حاجة تضيع… ولا لسه في حاجة ممكن تبدأ.”

الكلمة وقفت بينهم.

واضحة.

ومفتوحة.

وتركتهما…

في نفس النقطة.

بين احتمالين.

لا أحد منهما يعرف…

أي طريق سينتهي بالآخر.