لم تكن الأيام التالية سهلة على أيٍّ منهما.
يوسف حاول أن يمنحها المساحة التي طلبتها، لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من التفكير. كان كل شيء في حياته اليومية يسير بشكل طبيعي ظاهريًا، لكنه من الداخل كان معلّقًا عند جملة واحدة قالتها ليان: “محتاجة وقت.”
الوقت… لم يكن مجرد انتظار، بل اختبار.
في العمل، كان يجلس أمام شاشته لساعات، ينفذ ما يُطلب منه، يرد على الرسائل، يشارك في الاجتماعات، لكنه لم يكن حاضرًا بالكامل. كريم لاحظ ذلك بوضوح.
“لسه مستني؟” سأله وهو يقف بجانبه.
يوسف لم ينظر إليه، فقط قال: “آه.”
“ومتوقع إيه؟”
سكت لحظة، ثم قال: “قرار.”
كريم هز رأسه ببطء.
“والقرار ده… ممكن يوجعك.”
“عارف.” قال يوسف.
“طب ليه مستني؟”
رفع يوسف عينه أخيرًا.
“علشان مش قادر أمشي من غير ما أعرف.”
كريم سكت، ثم قال بهدوء:
“خلي بالك… في فرق بين إنك تستنى علشان تفهم… وإنك تستنى علشان تتعلق أكتر.”
الجملة وقفت عند يوسف.
لم يرد.
لأنه لم يكن متأكدًا في أيّهما هو.
على الجانب الآخر، كانت ليان تعيش صراعًا لا يقل صعوبة.
في منزلها، كانت تحاول أن تتعامل بشكل طبيعي، لكن كل شيء أصبح مختلفًا. كل حديث مع عمر أصبح يحمل ثقلًا لم يكن موجودًا من قبل. لم يكن عمر سيئًا، على العكس، كان واضحًا، هادئًا، ويحاول أن يكون قريبًا منها.
وهذا… جعل الأمر أصعب.
في أحد المساءات، كانت تجلس معه في مكان هادئ.
كان يتحدث عن ترتيبات قادمة، تفاصيل صغيرة تخص حياتهما معًا.
“أنا كنت بفكر…” قال عمر بابتسامة، “نقدّم المعاد شوية.”
نظرت إليه.
“نقدّمه؟”
“آه… ليه نستنى؟”
سكتت.
لم تكن الإجابة جاهزة.
“ليان؟” قال بهدوء.
“نعم؟”
“إنتِ ساكتة.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن مريحة.
“بفكر.”
“في إيه؟”
نظرت إليه، ثم قالت: “في كل حاجة.”
توقف.
“في حاجة مش مريحة؟”
السؤال كان مباشرًا.
سكتت لحظة، ثم قالت: “مش عارفة.”
نظر إليها بتركيز.
“مش عارفة ولا مش عايزة تقولي؟”
تنفست ببطء.
“أنا مش بحب أظلم حد.”
فهم.
“حد زي مين؟” سأل.
لم ترد.
لكن الصمت كان كافيًا.
عمر نظر بعيدًا للحظة، ثم عاد إليها.
“في حد تاني؟”
الجملة خرجت بهدوء… لكن وقعها كان ثقيلًا.
ليان لم تنكر.
ولم تؤكد.
فقط قالت: “في حاجة ظهرت… متأخر.”
سكت عمر.
ثم قال: “وأنا؟”
نظرت إليه.
“إنت موجود… وواضح.”
“وهو؟”
سكتت.
ثم قالت: “مش واضح… بس حقيقي.”
الصمت أصبح أطول.
عمر قال بهدوء:
“يعني إنتِ محتارة.”
“آه.” قالتها بصراحة.
هز رأسه ببطء.
“وده حصل إمتى؟”
“قريب.” قالت.
“بعد ما اتخطبنا؟”
سكتت.
الإجابة كانت واضحة.
تنفس عمر بعمق، ثم قال:
“أنا مش هضغط عليكِ.”
نظرت إليه.
“بس أنا كمان… مش هكون اختيار مؤجل.”
الكلمة كانت واضحة.
ليان شعرت بثقلها.
“أنا محتاجة أفهم نفسي.” قالت.
“وإحنا؟” سأل.
نظرت إليه، ولم تجب.
في نفس الوقت، كان يوسف يقف في الحديقة مرة أخرى.
لم يعد المكان مجرد صدفة.
أصبح نقطة مواجهة.
وقف أمام الشجرة، ينظر إليها، ثم قال بصوت منخفض:
“أنا مستني.”
لم يكن يعرف هل الانتظار هو القرار الصحيح، لكنه لم يكن يملك خيارًا آخر.
جلس، وأخرج هاتفه.
فتح المحادثة معها.
لم يكتب.
فقط نظر.
ثم فجأة…
وصلته رسالة.
“يوسف.”
رفع رأسه بسرعة.
فتح الرسالة.
“ممكن نتقابل؟”
وقف فورًا.
رد: “فين؟”
جاء الرد بعد ثوانٍ:
“نفس المكان.”
نظر حوله.
ابتسم بخفة.
“أنا هنا.”
لم تمر دقيقة…
حتى رآها.
كانت تمشي نحوه، لكن خطواتها لم تكن ثابتة هذه المرة.
كان واضحًا…
أنها تحمل قرارًا.
وقف.
اقتربت.
توقفت أمامه.
لم تبتسم.
“يوسف…”
“نعم؟”
نظرت إليه.
ثم قالت:
“أنا كلمت عمر.”
تجمد.
“وقلت له إني محتاجة أفكر.”
الصمت نزل.
يوسف لم يتكلم.
كان ينتظر.
“هو… إداني مساحة.” قالت.
“كويس.” قال بصوت هادئ.
نظرت إليه.
“بس كمان قال حاجة.”
“إيه؟”
سكتت لحظة…
ثم قالت:
“قال إنه مش هيكون اختيار تاني.”
الكلمة رجعت.
بنفس القوة.
يوسف فهم.
“وأنتِ؟” سأل.
نظرت إليه.
وكان واضحًا…
أن الإجابة صعبة.
“أنا بين حاجتين.” قالت.
“عارف.”
“واحدة واضحة… ومستقرة.”
“وعارف.”
“والتانية…” سكتت.
“قولِي.” قال بهدوء.
نظرت إليه مباشرة.
“مجهولة… بس حقيقية.”
الصمت رجع.
لكن هذه المرة…
كان على حافة القرار.
يوسف اقترب خطوة.
“وأنتِ عايزة إيه؟”
سكتت.
ثم قالت بصوت منخفض:
“عايزة أبقى صادقة.”
“يبقى خليكِ.” قال.
نظرت إليه.
“بس الصدق… ممكن يوجع.”
“الكذب بيوجع أكتر.” قال.
سكتت.
ثم أغمضت عينيها لثانية.
وعندما فتحتهما…
كان واضحًا أن شيئًا تغيّر.
لكن السؤال لم يكن:
هل قررت؟
بل:
هل تقدر تتحمل نتيجة القرار… أيًّا كان؟