لم تقل ليان قرارها في تلك اللحظة.
لكن نظرتها كانت كافية لتقول إن كل شيء اقترب من النهاية… أو البداية.
“أنا هتكلم معاه تاني.” قالت بهدوء.
يوسف لم يسأل ماذا ستقول.
لم يعد الأمر يحتاج إلى تفاصيل.
“تمام.” قال.
سكتوا.
ثم أضاف: “وأنا هستنى.”
نظرت إليه.
“مش لازم.”
“بالنسبة لي… لازم.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن مطمئنة.
“خلي بالك من نفسك.” قالت.
“وإنتِ كمان.”
استدارت، ومشت.
هذه المرة… لم تكن مجرد نهاية لقاء.
كانت بداية قرار.
مرّ اليوم ببطء شديد على يوسف.
لم يكن قادرًا على التركيز، ولا حتى على تجاهل ما ينتظر حدوثه. كل دقيقة كانت تبدو أطول من سابقتها، وكأن الوقت يتعمد أن يختبر صبره.
في المساء، كان جالسًا وحده في منزله، الهاتف بجانبه.
ينظر إليه… دون أن يلمسه.
“هتكلّم.”
قالها لنفسه.
“أكيد هتكلّم.”
لكن الساعات مرّت…
ولا شيء.
كل احتمال بدأ يظهر في ذهنه.
هل قررت؟
هل اختارت؟
هل انتهى كل شيء؟
أخذ نفسًا عميقًا، ثم أمسك الهاتف.
وقبل أن يفتح المحادثة…
رنّ.
ليان.
تجمّد للحظة.
ثم رد.
“ألو.”
صوتها كان هادئًا… أكثر من اللازم.
“يوسف.”
“نعم.”
سكتت لحظة.
ثم قالت:
“أنا قابلت عمر.”
القلب دق أسرع.
“تمام…” قالها بهدوء.
“وقلت له كل حاجة.”
سكت.
لم يسأل.
كان ينتظر.
“وقلت له إني محتارة.” أكملت.
“و…؟”
تنفست ببطء.
“هو قال إنه مش هيكمل في حاجة مش واضحة.”
يوسف أغمض عينيه.
“وده حقه.”
“آه.” قالت.
الصمت نزل.
“وبعدين؟” سأل.
سكتت.
ثم قالت:
“انفصلنا.”
الكلمة خرجت بهدوء…
لكن وقعها كان قويًا.
يوسف فتح عينيه.
لم يشعر بفرح.
لم يشعر براحة.
شعر بثقل.
“ليان…” قال بصوت أهدى.
“أنا كويسة.” قالت بسرعة.
لكن صوتها… لم يكن مقنعًا.
“متأكدة؟”
سكتت.
ثم قالت:
“لا… بس هبقى.”
الصمت رجع.
لكن هذه المرة…
كان مختلفًا.
فيه نهاية واضحة.
“يوسف…” قالت.
“نعم؟”
“أنا مش عايزة أظلمك.”
“ولا أنا عايزك تظلميني.”
“بس برضه… مش عايزة أكون هربانة من حاجة لحاجة.”
فهم.
“وأنا مش عايزك تيجي لي… علشان تمشي من غيري.” قال.
سكتت.
“يبقى إحنا…” بدأت.
“محتاجين نهدى.” أكمل.
“آه.”
صمت.
ثم قالت:
“أنا محتاجة وقت.”
ابتسم بحزن خفيف.
“لسه؟”
“المرة دي بجد.” قالت.
سكت.
ثم قال:
“خديه.”
“يوسف…”
“نعم؟”
“إنت زعلان؟”
فكر لحظة.
ثم قال:
“مش زعلان… بس مش مرتاح.”
“علشاني؟”
“علشاننا.” قال.
سكتت.
“أنا آسفة.” قالت بهدوء.
“على إيه؟”
“على كل حاجة.”
“مافيش حاجة غلط.” قال.
“في.” قالت. “إن كل ده حصل متأخر.”
صمت.
“آه.” قال.
“متأخر قوي.”
الصمت أصبح أهدأ.
لكن أعمق.
“أنا هقفل.” قالت.
“تمام.”
سكتت لحظة.
ثم قالت:
“يوسف…”
“نعم؟”
“خليك موجود… بس مش قريب قوي.”
الكلمة كانت واضحة.
وحدودها… أوضح.
“حاضر.” قال.
“تصبح على خير.”
“وإنتِ من أهله.”
انتهت المكالمة.
يوسف أنزل الهاتف ببطء.
لم يتحرك.
لم يتكلم.
فقط جلس.
ينظر إلى الفراغ.
“انفصلنا.”
كرر الكلمة.
كان من المفترض أن تكون هذه اللحظة بداية.
لكنها لم تكن كذلك.
كانت… خسارة.
خسارة لعلاقة لم تبدأ.
وخسارة لعلاقة انتهت.
وخسارة لوقت…
كان يمكن أن يغير كل شيء.
وقف بعد لحظات.
ذهب إلى النافذة.
نظر إلى الشارع.
نفس الناس.
نفس الحركة.
لكن داخله…
كل شيء كان مختلفًا.
“أنا كنت فاكر إن الحل… هيكون بداية.”
قالها بصوت منخفض.
“بس طلع… نهاية.”
سكت.
ثم أضاف:
“أو يمكن… بداية من نوع تاني.”
لكن حتى هو…
لم يكن متأكدًا من ذلك.
لأن الحقيقة…
أن الحب الذي جاء متأخرًا…
قد لا يجد مكانًا يبدأ فيه بسهولة.
والآن…
لم يعد السؤال:
هل يحبها؟
بل:
هل يكفي هذا الحب…
بعد كل ما خُسر؟