الصمت.
لم يكن صمتًا عاديًا… بل صمت ثقيل، خانق، كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة.
وقفت ليلى في مكانها، عيناها معلقتان بالمشهد أمامها، وجسدها عاجز عن الاستجابة.
“لا…” خرجت منها الكلمة كهمس مكسور.
على الأرض…
كان سليم.
—
ركعت بجانبه بسرعة، يداها ترتجفان وهي تلمس كتفه.
“سليم… سليم، انظر إلي!”
فتح عينيه ببطء.
الألم واضح… لكنه لم يكن وحده.
كان هناك شيء آخر… نظرة لم تفهمها في تلك اللحظة.
“أنا… بخير…” قالها بصوت ضعيف.
لكن الدم الذي بدأ يظهر… لم يكن يوحي بذلك.
—
“لا، لست بخير!” قالت وهي تحاول أن تضغط على الجرح.
“أنا… أنا لم أقصد…”
لم تكمل.
لأنها لم تكن تعرف ماذا تقول.
—
رفعت رأسها فجأة.
رامي… لم يكن على الأرض.
كان واقفًا.
ينظر إليهما.
بهدوء.
—
“انظري…” قال بصوت منخفض.
“حتى الآن… تختارين الخطأ.”
—
“اصمت!” صرخت.
—
“لم أدفعكِ.” قال بهدوء.
“لم أجبركِ.”
—
“كفى!” صرخت وهي تبكي.
“أنت السبب!”
—
“أنا؟” ابتسم بخفة.
“أنا فقط… أظهرت لكِ حقيقتك.”
—
نظرت إليه بكره واضح.
ثم عادت إلى سليم.
—
“اسمعني…” قالت له بصوت مرتجف.
“لن يحدث لك شيء… أنا هنا…”
—
ابتسم بصعوبة.
“أعرف…”
—
لكن عينيه…
لم تكونا مطمئنتين.
—
“لماذا… عدتِ؟” سألها بصوت خافت.
تجمدت.
“ماذا؟”
—
“كنتِ تستطيعين الهروب…”
—
“لن أتركك.”
—
نظر إليها.
ثم…
ابتسم ابتسامة خفيفة… غريبة.
—
“أنتِ… دائمًا تختارين البقاء…”
—
شيء في صوته…
جعلها تتوقف.
—
“سليم…؟”
—
لكنه لم يجب مباشرة.
—
رفع يده بصعوبة…
وأمسك معصمها.
—
“ليلى…” قالها ببطء.
“هل تثقين بي؟”
—
تفاجأت.
“ماذا؟ الآن؟”
—
“أجيبي…”
—
ترددت.
لكنها قالت:
“نعم… أثق بك.”
—
صمت.
—
ثم…
ابتسم.
لكن هذه المرة…
لم تكن ابتسامته كما عرفتها.
—
كانت… مختلفة.
—
باردة.
—
“كان يجب… ألا تفعلي.”
—
اتسعت عيناها.
—
“ماذا تقصد؟”
—
وفجأة…
شد يدها.
—
بقوة.
—
“لأنكِ الآن… داخل القصة بالكامل.”
—
تجمدت.
—
“سليم… ماذا تفعل؟!”
—
لكن نظرته…
لم تعد نفس النظرة.
—
وفي تلك اللحظة…
ضحك رامي.
—
ضحك بوضوح.
—
“أخيرًا…” قال.
“استيقظت.”
—
نظرت ليلى بينهما.
—
“ماذا يحدث؟!”
—
لم يجب أحد.
—
ثم…
قال سليم بهدوء:
“كان من الصعب… إقناعك.”
—
انسحب الدم من وجهها.
—
“إقناعي… بماذا؟”
—
نظر إليها مباشرة.
—
“أن تثقي بالشخص الخطأ.”
—
تراجعت خطوة.
—
“لا… لا… هذا غير صحيح…”
—
وقف ببطء.
رغم إصابته.
—
لكن وقفته…
لم تكن ضعيفة.
—
كانت ثابتة.
—
“كنتِ بحاجة أن تختاري بنفسك.” قال.
“حتى نصل إلى هذه اللحظة.”
—
“أي لحظة؟!”
—
اقترب خطوة.
—
“اللحظة التي لا يمكنكِ فيها الهروب.”
—
نظرت إلى رامي.
—
ثم إليه.
—
“أنتم… تعرفون بعضكم؟”
—
صمت.
—
ثم…
ابتسم رامي.
—
“أكثر مما تتخيلين.”
—
اهتزت الأرض تحتها.
—
“لا…”
—
“كنا ننتظر.” قال سليم بهدوء.
—
“ننتظر… ماذا؟”
—
نظر إليها.
—
ثم قال الجملة التي حطمت كل شيء:
“ننتظر أن تتذكري.”
—
انقطعت أنفاسها.
—
“أنا… لا أفهم…”
—
اقترب رامي.
—
“أنتِ دائمًا تقولين ذلك.”
—
ثم قال:
“في كل مرة.”
—
“كل مرة…؟”
—
صمت.
—
ثم…
قال سليم:
“هذه ليست المرة الأولى يا ليلى.”
—
اتسعت عيناها.
—
“ولا الثانية…”
—
خطوة أخرى.
—
“ولا حتى العاشرة.”
—
بدأت تتراجع.
—
“توقف…”
—
“أنتِ تنسين…” قال رامي.
“ثم تعيشين نفس القصة…”
—
“لا… هذا جنون…”
—
“ثم… تختارين.” أكمل سليم.
—
“وتفشلين.”
—
“كفى!” صرخت.
—
وضعت يديها على رأسها.
—
“أنا لا أذكر أي شيء!”
—
صمت.
—
ثم قال سليم بهدوء مرعب:
“وهذا… هو الخطأ.”
—
وفي تلك اللحظة…
شعرت بشيء.
—
ومضة.
—
صورة.
—
نفس الغرفة.
—
نفس اللحظة.
—
لكن…
بشكل مختلف.
—
صرخة.
—
دم.
—
ثم…
ظلام.
—
سقطت على ركبتيها.
—
“لا… لا…”
—
رفعت رأسها ببطء.
—
ونظرت إليهما.
—
لكن هذه المرة…
لم تكن نظرتها كالسابق.
—
كان فيها شيء جديد.
—
شيء بدأ… يستيقظ.
—
ثم همست:
“كم مرة…؟”
—
ابتسم رامي.
—
وقال:
“عدد لا تحبين معرفته.”
—
لكن سليم…
لم يبتسم.
—
فقط نظر إليها…
وقال:
“وهذه المرة… النهاية مختلفة.”
—
لكن هل كانت حقًا… النهاية؟