بين ظلال المطر ونبض الغياب - رواية رومانسية

كان الصمت هذه المرة… مختلفًا.

ليس صمت الصدمة، ولا صمت الخوف… بل صمت الإدراك.

جلست ليلى على الأرض، أنفاسها غير منتظمة، وعيناها تتحركان بين سليم ورامي، لكنها لم تعد تراهما كما كانا قبل لحظات.

شيء ما داخلها… انكسر.

وشيء آخر… بدأ يتشكل.

“كم مرة… عشت هذا؟” سألت بصوت أهدأ، لكنه أعمق.

نظر سليم إليها دون أن يقترب.

“عدد كافٍ لتفهمي… أن الأمر ليس صدفة.”

“ولا قدرًا عشوائيًا.” أضاف رامي بهدوء.

رفعت عينيها ببطء.

“إذًا ماذا؟”

صمت.

ثم قال سليم:

“اختيار.”

“اختياري أنا؟” سألت، وكأنها لا تصدق.

“دائمًا.” قال.

“هذا جنون…” همست، لكنها لم تكن مقتنعة بكلمتها.

لأن الصور…

لم تتوقف.

ومضات.

لقاءات.

نفس الشارع.

نفس المطر.

نفس النظرة الأولى.

لكن…

نهايات مختلفة.

مرة…

ترحل.

مرة…

تبقى.

مرة…

تصرخ.

مرة…

تصمت.

وفي كل مرة…

شيء ينكسر.

وضعت يدها على رأسها.

“أنا… أتذكر…”

اقترب رامي خطوة.

“ببطء… نعم.”

“لكن لماذا؟!” صرخت فجأة.
“لماذا أنا؟!”

صمت.

ثم…

قال سليم:

“لأنكِ أنتِ من بدأتِ هذا.”

تجمدت.

“ماذا… تقصد؟”

نظرت إليه بتركيز، كأنها تستعد لسماع شيء لا تريد سماعه.

تنهد ببطء.

ثم قال:

“في أول مرة… أنتِ من رفضتِ النهاية.”

“أي نهاية؟”

“النهاية الحقيقية.” قال.
“حين كان يجب أن ينتهي كل شيء… اخترتِ أن تعيدي المحاولة.”

“أنا؟!”

“لم تتحملي الخسارة.” قال رامي بهدوء.
“لم تتحملي أن تختاري… وتفقدي.”

بدأت تتذكر أكثر.

غرفة.

نفس الغرفة.

صوتها…

تبكي.

“لا أريد أن ينتهي هكذا…”

ثم…

ظلام.

شهقت.

“أنا… طلبت هذا؟”

“نعم.” قال سليم.

“لكنني… لا أتذكر…”

“لأنكِ في كل مرة… تمحين.” قال رامي.

“تمحين الألم… لكنكِ تمحين الحقيقة معه.”

سكتت.

ثم قالت ببطء:

“وهل… أنتم حقيقيون؟”

نظر إليها سليم.

“نحن… ما تبقى.”

“من ماذا؟”

“من اختيارك.”

اقترب خطوة.

“أنا… كنت الاحتمال الذي اخترتِه لتشعري بالأمان.”

ثم أشار إلى رامي.

“وهو… الاحتمال الذي لم تستطيعي الهروب منه.”

نظرت بينهما.

“إذًا… أنتم لستم—”

“لسنا كما تعتقدين.” قال رامي.
“لكننا حقيقيون… بقدر ما أنتِ حقيقية هنا.”

“وهذا المكان؟”

“ذاكرتك.” قال سليم.

صمتت.

ثم نظرت حولها.

الغرفة…

لم تعد كما كانت.

الجدران بدأت تتلاشى.

الأصوات تبهت.

“ماذا يحدث…؟”

“تستيقظين.” قال سليم.

“وأخيرًا… تتذكرين.” أضاف رامي.

“وإذا تذكرت؟” سألت.

صمت.

ثم قال سليم:

“سينتهي كل شيء.”

“وإذا لم أرد؟”

نظر إليها.

“إذًا… سنعيد.”

اتسعت عيناها.

“مرة أخرى؟”

“كما فعلتِ دائمًا.”

نظرت إلى رامي.

“وأنت؟”

ابتسم.

“أنا… سأكون هنا.”

“دائمًا؟”

“دائمًا.”

صمتت.

ثم أغمضت عينيها.

كل شيء عاد.

اللقاء الأول.

المطر.

الرسالة.

الخوف.

الاختيار.

ثم…

النهاية.

فتحت عينيها.

لكن هذه المرة…

كانت مختلفة.

نظرت إلى سليم.

ثم إلى رامي.

ثم…

ابتسمت.

ابتسامة هادئة.

غير مترددة.

“لا.”

توقفا.

“لا ماذا؟” سأل سليم.

“لا إعادة.”

اقتربت خطوة.

“ولا هروب.”

نظرت إلى رامي.

“ولا خوف.”

ثم قالت:

“هذه المرة… أنا لا أختار بينكما.”

صمت.

“أنا أختار… أن أنهيكما.”

تغيرت ملامحهما.

“ليلى…” قال سليم.

لكنها لم تنظر إليه.

رفعت يدها.

“كفى.”

وفجأة…

كل شيء اهتز.

الغرفة بدأت تنهار.

الأصوات تلاشت.

الوجوه… بدأت تختفي.

“ماذا تفعلين؟!” قال رامي لأول مرة بحدة.

“أفعل ما كان يجب أن أفعله منذ البداية.”

“هذا سيُفقدك كل شيء!” قال سليم.

“لا.” قالت بهدوء.
“سيعيدني لنفسي.”

الضوء…

ازداد.

الأصوات…

اختفت.

والصمت…

عاد.

لكن هذه المرة…

لم يكن فارغًا.

كان بداية.

فتحت عينيها.

ضوء أبيض.

غرفة مختلفة.

صوت أجهزة.

أنفاس بطيئة.

نظرت حولها.

مستشفى.

يدها… موصولة بأجهزة.

قلبها… ينبض.

بهدوء.

اقتربت ممرضة.

“أنتِ استيقظتِ…”

نظرت إليها.

“كم… مضى من الوقت؟”

تبادلت الممرضة نظرة مع شخص خلفها.

ثم قالت:

“ثلاثة أشهر.”

صمتت ليلى.

ثم همست:

“وأنا… كنت أحلم؟”

لم تجب الممرضة.

لكن…

في زاوية الغرفة…

انعكاس خافت في الزجاج.

وقف شخصان.

يراقبان.

بهدوء.

ابتسامة خفيفة.

ثم…

اختفيا.

أغمضت ليلى عينيها ببطء.

وقلبها…

لم يعد خائفًا.

لكن سؤالًا واحدًا…

بقي.

هل انتهى كل شيء فعلًا…

أم أن هذه… مجرد بداية أخرى؟