لم يكن في اليوم ما يميّزه.
الزحام كعادته، والوجوه تتشابه، والوقت يمضي بلا ملاحظة حقيقية. خرج يوسف من عمله متأخرًا قليلًا، يحمل إرهاقًا خفيفًا وذهنًا مشتتًا لا ينشغل بشيء محدد. لم يكن ينتظر أحدًا، ولم يكن يفكر في شيء بعينه، فقط يوم آخر ينتهي.
توقف أمام المقهى القريب من مكتبه، نفس المكان الذي اعتاد الجلوس فيه منذ سنوات. لم يكن الأفضل، لكنه مألوف، وهذا يكفي. دخل، طلب قهوته، وجلس في زاويته المعتادة. أخرج هاتفه، تصفح بعض الرسائل، ثم تركه جانبًا. نظر حوله بلا اهتمام، ثم عاد إلى كوبه.
كل شيء كان عاديًا… حتى سمع صوته.
“يوسف؟”
رفع رأسه ببطء، وكأن الصوت جاء من مكان بعيد، لا من داخل المقهى.
توقفت عينه عندها للحظة، ثم اتسعت قليلًا.
ليان.
لم يكن الاسم فقط هو المفاجأة، بل الشعور الذي تبعه.
وقف للحظة قصيرة، ثم قال بصوت هادئ: “ليان…؟”
ابتسمت. ابتسامة بسيطة، لكنها لم تكن عابرة.
“إيه الصدفة دي؟”
نظر إليها، وكأنه يحاول أن يربط بين الصورة القديمة التي في ذاكرته، وهذه التي أمامه الآن. لم تتغير كثيرًا، لكنه شعر بأن هناك شيئًا مختلفًا… شيئًا لا يستطيع تحديده فورًا.
“مش مصدق بصراحة.” قال وهو يشير للكرسي أمامه. “اقعدي.”
ترددت لثانية، ثم جلست.
مرّت لحظة صمت خفيفة، لكنها لم تكن مريحة تمامًا. كان هناك شيء غير محسوب في هذا اللقاء، كأن كل واحد منهما يحاول أن يتذكر كيف كان يتحدث مع الآخر.
“إنتِ هنا من إمتى؟” سأل.
“من سنة تقريبًا.” ردّت بهدوء.
رفع حاجبه قليلًا. “سنة؟”
ابتسمت بخفة. “آه… شكلها كتير، صح؟”
هز رأسه. “مش عارف… بس غريبة إننا ما تقابلناش قبل كده.”
نظرت إليه، ثم قالت: “يمكن علشان كل واحد فينا كان في حتة تانية.”
لم يعلّق، لكنه فهم المعنى.
“عاملة إيه؟” سأل.
“كويسة.” قالتها ببساطة. “وإنت؟”
“كويس.” ثم أضاف بابتسامة خفيفة: “على الأقل كنت كويس قبل ما أشوفك.”
ضحكت بخفة. “ليه؟”
“علشان افتكرت إن في حاجات كتير عدّت وأنا ما خدتش بالي منها.”
نظرت إليه لثانية أطول من اللازم، ثم قالت: “زي إيه؟”
سكت لحظة، ثم قال: “مش عارف… بس إحساس كده.”
حركت كوبها ببطء، وقالت: “الإحساس ده بييجي متأخر دايمًا.”
توقّف عند الجملة.
“متأخر؟”
نظرت إليه مباشرة. “آه… بس مش مهم.”
لم يكن مقتنعًا، لكنه لم يضغط.
“لسه بتروحي الحديقة؟” سأل فجأة.
ابتسمت. “فاكرها؟”
“طبعًا.” قال. “إنتِ كنتِ معتبرة الشجرة الكبيرة دي ملكك.”
ضحكت. “وما زالت.”
“لسه عندك نفس الثقة.” قال.
“وأنت لسه بتستفز.” ردّت بسرعة.
ضحك، ثم سكت.
كان الحديث يسير، لكنه لم يكن عاديًا.
كان هناك شيء خفي تحت الكلمات، شيء لم يُقال بعد.
“يوسف…” قالت فجأة.
“نعم؟”
“إنت اتغيرت.”
ابتسم. “ده كويس ولا وحش؟”
“مش عارفة.” قالت وهي تنظر إليه بتركيز. “بس مختلف.”
“وإنتِ؟” سأل.
ترددت لحظة، ثم قالت: “أنا كمان.”
صمت قصير.
ثم نظر إليها وقال: “حسيت إنك… بعيدة شوية.”
رفعت حاجبها. “بعيدة؟”
“مش في المكان… في الإحساس.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل لعينيها.
“يمكن علشان فعلاً بقيت بعيدة.”
توقف.
“يعني إيه؟”
نظرت إلى كوبها، ثم قالت بهدوء: “يوسف… أنا مرتبطة.”
تجمد للحظة.
“مرتبطة؟”
رفعت عينيها إليه، وقالت ببساطة: “مخطوبة.”
لم يكن يتوقع أن الكلمة سيكون لها هذا الأثر.
لم يكن هناك سبب واضح ليتأثر، لكنه تأثر.
“مبروك.” قالها بعد ثوانٍ من الصمت.
ابتسمت. “شكرًا.”
نظر بعيدًا للحظة، ثم عاد إليها.
“من إمتى؟”
“قريب… شهر.”
“اسمه إيه؟”
“عمر.”
هز رأسه ببطء. “تمام.”
لم يكن يعرف ماذا يقول بعد ذلك.
كل شيء أصبح فجأة… غير مريح.
“كويس؟” سأل.
“آه.” قالت.
“سعيدة؟”
ترددت لثانية، ثم قالت: “بحاول.”
لاحظ التردد، لكنه لم يعلّق.
مرّت لحظة صمت أطول.
ثم قالت: “إنت كويس بجد؟”
نظر إليها، وكأنه يحاول أن يجيب بصدق.
“مش عارف.” قال أخيرًا.
ابتسمت بخفة. “على الأقل صريح.”
“إنتِ السبب.” قال.
“أنا؟”
“آه.” قال وهو ينظر إليها. “ظهورك فجأة… غريب.”
“وأنا حسيت بنفس الإحساس.” قالت.
تبادلا نظرة قصيرة.
ثم نظرت إلى الساعة.
“أنا لازم أمشي.”
“دلوقتي؟”
“آه.”
وقفت.
وقف معها.
“كان لقاء… غريب.” قال.
“بس حلو.” ردّت.
سكت لحظة، ثم قال: “هنتقابل تاني؟”
نظرت إليه، ثم قالت: “مش عارفة.”
ابتسم بسخرية خفيفة. “الكلمة دي مش بحبها.”
“أنا متعودة عليها.” قالت.
تحركت خطوة، ثم توقفت.
“يوسف…”
“نعم؟”
نظرت إليه، وقالت بهدوء:
“إنت اتأخرت.”
تجمد.
“في إيه؟”
لم تجب.
فقط ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم قالت: “خلي بالك من نفسك.”
ومشت.
وقف مكانه، ينظر إلى الباب الذي خرجت منه.
“اتأخرت…”
كررها بصوت منخفض.
لم يكن يفهم ما تعنيه…
لكن إحساسًا غريبًا بدأ يتكوّن داخله.
إحساس لم يكن موجودًا قبل دقائق.
إحساس لم يكن واضحًا بعد… لكنه كان حقيقيًا بما يكفي ليقلقه.
وفي تلك اللحظة، لم يكن يعرف أن هذا اللقاء البسيط…
كان بداية شيء أكبر بكثير مما يتخيل.