أحببتك متأخرًا - رواية رومانسية - روايات رومانسية جديدة

لم ينتهِ اللقاء حين خرجت ليان من المقهى.
انتهى المكان، لكن الحديث ظلّ معلقًا داخل يوسف، يتكرر في رأسه بنفس التفاصيل، بنفس النبرة، بنفس النظرات التي لم يفهمها بالكامل.

عاد إلى منزله في تلك الليلة وهو يحمل إحساسًا غريبًا، لا يشبه الحنين تمامًا، ولا يمكن تسميته بالضيق فقط. كان أقرب إلى شيء مستيقظ بعد غياب طويل… شيء لم يكن يعلم بوجوده أصلًا.

جلس على الأريكة، ألقى مفاتيحه على الطاولة، وأسند رأسه إلى الخلف.
أغمض عينيه، لكن صورة ليان لم تختفِ.

“إنت اتأخرت.”

الجملة كانت واضحة… أكثر مما يجب.

فتح عينيه فجأة، كأن الفكرة اصطدمت به من جديد.
“اتأخرت في إيه؟”

سأل نفسه بصوت منخفض، لكنه لم ينتظر إجابة.
لم يكن هناك شيء واضح يمكن أن يكون قد تأخر فيه. لم تكن هناك قصة بينهما، ولا وعد، ولا حتى اعتراف.

أو هكذا كان يعتقد.

نهض من مكانه، تحرك داخل الشقة بلا هدف، ثم توقف أمام النافذة. نظر إلى الشارع، إلى الناس، إلى الحياة التي تمضي بشكل طبيعي… وكأن شيئًا لم يتغير.

لكن داخله… كان هناك تغيير.

وفي الصباح، استيقظ متأخرًا قليلًا، على غير عادته. لم ينم جيدًا، وكان ذلك واضحًا في عينيه. حاول أن يتجاهل الأمر، ارتدى ملابسه بسرعة، وخرج إلى عمله.

في الطريق، مرّ بجانب الحديقة القديمة.
لم يتوقف… لكنه أبطأ خطوته.

نظر إليها للحظة، ثم أكمل طريقه.

“لسه زي ما هي.” قالها لنفسه، لكنه لم يكن يقصد المكان فقط.

في المكتب، جلس أمام جهازه، فتح الملفات، وبدأ يعمل… أو على الأقل، حاول.

“يوسف.”
رفع رأسه.

كريم، زميله، كان يقف أمامه.
“مالك؟”

“ولا حاجة.” رد بسرعة.

كريم ابتسم بنصف شك. “ولا حاجة إزاي؟ إنت من ساعة ما جيت ساكت.”

يوسف حاول يركز في الشاشة. “شغل بس.”

كريم سحب كرسي وقعد قدامه. “لا… مش شغل. في حاجة.”

يوسف تنهد. “يا عم مفيش.”

كريم ضحك. “طب ماشي… لما تحب تتكلم، أنا موجود.”

هز يوسف رأسه، لكنه لم يعلق.

عاد إلى عمله، لكن تركيزه لم يكن حاضرًا.
كل بضع دقائق، كان يفكر فيها. في صوتها، في هدوئها، في الطريقة التي قالت بها إنها مخطوبة… وفي التردد الذي لاحظه رغم بساطة الكلمة.

“بحاول.”

كانت تلك الكلمة تحديدًا هي ما علق في ذهنه.

بحاول… وليست “أنا سعيدة”.

أنهى يومه بصعوبة، وخرج.
وقف للحظة أمام المبنى، يفكر أين يذهب.

لم يكن لديه خطة.

فقط… إحساس.

ووجد نفسه يسير في اتجاه الحديقة.

لم يقرر ذلك بوضوح، لكنه لم يتفاجأ عندما وجد نفسه أمامها.
توقف هذه المرة.

نظر إلى الداخل، ثم دخل.

المكان كان هادئًا، كما اعتاده. بعض الأطفال في الطرف البعيد، وشخصان يجلسان على مقعد قريب. لكن الشجرة… كانت كما هي.

اقترب منها ببطء، كأنه يعود إلى نقطة قديمة في حياته.

جلس على المقعد المقابل لها.

“لسه بتاعتها.”

ابتسم دون وعي.

مرّت دقائق وهو صامت، ينظر إلى نفس التفاصيل التي كان يراها منذ سنوات، لكن هذه المرة… بعين مختلفة.

كل شيء أصبح يحمل معنى أكبر مما كان.

“يوسف؟”

التفت بسرعة.

كانت ليان.

واقفة على بعد خطوات، تنظر إليه بنفس الهدوء، لكن بعينين فيهما شيء من المفاجأة… وربما التوقع.

وقف.

“إنتِ هنا؟”

ابتسمت. “نفس السؤال.”

ضحك بخفة. “واضح إن في حاجة مشتركة.”

“يمكن.” قالت وهي تقترب.

جلسا مرة أخرى، لكن هذه المرة… لم يكن اللقاء صدفة بالكامل.

“كنت فاكرة إنك مش بتيجي هنا تاني.” قالت.

“وأنا كنت فاكر إنك مش هنا أصلًا.” رد.

نظرت إليه، ثم قالت: “الدنيا بتغيّر خططنا.”

“أو بتأخرها.” قال دون أن يفكر.

توقفت عند الكلمة.

“لسه عندك نفس السؤال؟”

نظر إليها. “لسه ما فهمتش.”

“ممكن تفهم.” قالت بهدوء.

“إزاي؟”

نظرت إلى الشجرة، ثم قالت: “ببساطة… لو كنت سألت نفسك بدري.”

صمت.

لم يكن لديه رد مباشر.

“إنت عمرك فكرت فينا؟” سألت فجأة.

تجمد.

“فينا؟”

“آه.” قالت. “أنا وإنت.”

تردد.

“كنا أصحاب.”

“بس؟”

نظر إليها.

السؤال كان بسيطًا… لكنه ثقيل.

“مش عارف.” قال أخيرًا.

ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن مريحة.
“وأنا كنت عارفة.”

“عارفة إيه؟”

“إنك مش بتفكر.” قالت.

“ده اتهام؟”

“لا… حقيقة.”

سكت.

“طب وإنتِ؟” سأل.

نظرت إليه مباشرة.
“كنت بفكر.”

تجمد للحظة.

“وبعدين؟”

“وبعدين… سكت.”

“ليه؟”

ابتسمت. “علشان كنت مستنية.”

“مستنية إيه؟”

نظرت إليه، وقالت بهدوء:

“إنك تقول حاجة.”

الكلمة كانت واضحة.

ومؤلمة.

يوسف شعر بشيء ينضغط داخله.

“أنا… ما كنتش شايف.” قال بصوت منخفض.

“وأنا كنت شايفة.” ردّت.

صمت.

“دلوقتي شايف؟” سألت.

رفع عينيه إليها.

“مش كامل… بس حاسس.”

ابتسمت، لكن عينيها كانت تحمل حزنًا خفيفًا.

“الحس بييجي متأخر يا يوسف.”

“مش دايمًا.” قال بسرعة.

“غالبًا.” ردّت.

وقف الصمت بينهما، أطول من اللازم.

ثم قالت بهدوء: “أنا لازم أمشي.”

“استني.” قال بسرعة.

وقفت.

نظر إليها، وكأنه يريد أن يقول شيئًا مهمًا… لكنه لم يجد الكلمات.

“إنتِ…”

توقف.

“أنا إيه؟” سألت.

سكت.

ثم قال:

“مفيش.”

نظرت إليه لثوانٍ، ثم هزت رأسها بخفة.

“تمام.”

استدارت، وبدأت تمشي.

هذه المرة، لم تنادِه، ولم تلتفت.

يوسف بقي واقفًا مكانه، ينظر إليها وهي تبتعد.

“كنت بفكر…”

كرر كلماتها في داخله.

ثم أضاف بصوت منخفض:

“وأنا… كنت ساكت.”

رفع رأسه، ونظر إلى الشجرة مرة أخرى.

نفس المكان.

نفس الذكريات.

لكن الإحساس… لم يعد كما كان.

لأول مرة، بدأ يرى ما لم يره من قبل.

ولأول مرة…
بدأ يفهم معنى التأخير.

لكن السؤال الذي بدأ يطارده الآن… لم يكن مجرد فهم.

بل:

هل ما زال هناك وقت… ليُقال ما لم يُقل؟