كانت السماء تميل إلى الرمادي الخفيف، وكأنها تفكر إن كانت ستمطر أم تكتفي بالتهديد فقط. الشوارع مكتظة، والأصوات متداخلة، لكن شيئًا ما في ذلك المساء بدا مختلفًا… مختلفًا بطريقة لا يمكن تفسيرها بسهولة.
كان “سليم” يسير بخطوات ثابتة، يضع يديه في جيب معطفه الداكن، وعيناه تراقبان الطريق دون تركيز حقيقي. لم يكن يفكر في شيء محدد، أو ربما كان يفكر في أشياء كثيرة دفعة واحدة… ذكريات، وجوه، كلمات قيلت وانتهت لكنها لم تذهب.
توقف أمام إشارة المرور، نظر إلى الضوء الأحمر، ثم إلى الناس حوله. الجميع مستعجل، الجميع لديه مكان يذهب إليه، وهدف يسعى إليه. أما هو… فلم يكن متأكدًا من أي شيء.
وفجأة، سمع صوتًا خافتًا:
“عذرًا…”
التفت ببطء، وكأن الصوت جاء من بعيد رغم أنه كان قريبًا جدًا. كانت تقف أمامه، تحمل مظلة صغيرة لم تفتحها بعد، وعيناها تتردد بين النظر إليه والنظر إلى الأرض.
“هل يمكن أن تخبرني… أين يقع شارع الورد؟”
للحظة، لم يجب. لم يكن لأنه لا يعرف، بل لأنه… لم يستوعب الموقف. شيء ما في ملامحها جعله يتوقف عن التفكير، كأن الزمن قرر أن يأخذ استراحة قصيرة.
كانت مختلفة. ليس بطريقة ملفتة بشكل تقليدي، بل بطريقة هادئة، عميقة… كأنها تحمل قصة لم تُروَ بعد.
أشار بيده قليلًا وقال:
“امشي في هذا الاتجاه، ثم خذي أول يسار… ستجدينه بعد دقيقتين تقريبًا.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت:
“شكرًا… كنت سأضيع على ما يبدو.”
كان بإمكانه أن يكتفي بذلك. أن يهز رأسه ويكمل طريقه. أن ينتهي كل شيء عند تلك اللحظة. لكنه لم يفعل.
“إذا أردتِ… أنا متجه لنفس الاتجاه.”
نظر إليها وكأنه يختبر رد فعلها. لم تكن الدعوة واضحة تمامًا، لكنها لم تكن غامضة أيضًا.
ترددت للحظة، ثم قالت:
“حسنًا… لا بأس.”
بدأا السير معًا، بخطوات متزامنة تقريبًا. لم يتحدثا في البداية، فقط صوت خطواتهما وصخب المدينة من حولهما.
ثم بدأت السماء تمطر.
قطرات خفيفة في البداية، ثم أكثر وضوحًا. فتحت مظلتها بسرعة، ونظرت إليه للحظة، ثم قالت دون تفكير طويل:
“يمكنك أن تأتي هنا… إن لم تمانع.”
اقترب قليلًا، دون أن يقترب أكثر مما يجب. كانت المسافة بينهما صغيرة بما يكفي لتشعر، وكبيرة بما يكفي لتبقى آمنة.
“أنا سليم.” قالها بهدوء.
“ليلى.” أجابت بنفس الهدوء.
ساد الصمت مجددًا، لكنه لم يكن مزعجًا. كان صمتًا غريبًا… مريحًا بطريقة غير متوقعة.
“أول مرة تأتين إلى هذا المكان؟” سأل.
“ليس تمامًا… لكني لا أعرفه جيدًا.” قالت وهي تنظر أمامها.
ثم أضافت بعد لحظة:
“أحيانًا أزور أماكن لا أعرفها… فقط لأشعر أني لست عالقة في نفس الدائرة.”
نظر إليها، وكأن كلماتها لمست شيئًا داخله.
“وهل ينجح ذلك؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن سعيدة تمامًا.
“أحيانًا… وأحيانًا لا.”
وصلوا إلى زاوية الشارع، حيث أشارت لافتة صغيرة إلى “شارع الورد”.
توقفت.
“يبدو أني وصلت.”
أومأ برأسه، لكنه لم يتحرك.
كان بإمكانه أن يقول “حسنًا، إلى اللقاء”، وينتهي كل شيء. لكنه شعر أن هذه النهاية… ليست مناسبة.
“هل… تزورين هذا الشارع كثيرًا؟” سأل، وكأنه يبحث عن سبب للبقاء في الحوار.
نظرت إليه، ثم إلى الشارع، ثم عادت بعينيها إليه.
“ربما… من اليوم فصاعدًا.”
كانت إجابة بسيطة، لكنها حملت شيئًا آخر… شيئًا لم يُقل.
“حسنًا… ربما نلتقي مرة أخرى إذًا.”
“ربما.”
تراجعت خطوة، ثم أخرى، وكأنها تستعد للرحيل، لكنها لم تلتفت فورًا. وكأنها… تنتظر.
“ليلى.” ناداها.
توقفت، لكنها لم تستدر.
“هل… هذا اسمك الحقيقي؟”
ضحكت بخفة، دون أن تنظر إليه.
“وهل يهم؟”
صمت للحظة، ثم قال:
“لا أعلم… لكني أشعر أنه يجب أن يهم.”
استدارت ببطء، نظرت إليه نظرة مختلفة هذه المرة… أعمق، أكثر جدية.
“بعض الأشياء… من الأفضل أن تبقى غامضة في البداية.”
ثم التفتت، وبدأت تمشي داخل الشارع، تختفي تدريجيًا بين الظلال والمطر.
بقي واقفًا مكانه، ينظر في الاتجاه الذي ذهبت إليه، وكأنه ينتظر أن تعود… أو أن يحدث شيء ما.
لكن لم يحدث شيء.
فقط المطر… وصوت المدينة.
تنفس ببطء، ثم استدار ليكمل طريقه.
لكنه، دون أن يدرك، لم يكن يسير كما كان قبل دقائق.
كان هناك شيء تغير.
شيء صغير… لكنه واضح.
—
في مكان آخر من نفس الشارع، توقفت ليلى تحت ضوء خافت، أغلقت مظلتها، ونظرت خلفها.
لم يكن هناك أحد.
لكنها لم تكن تبحث عنه فقط… بل عن إحساس.
وضعت يدها على قلبها، وكأنها تحاول أن تفهم ما يحدث.
“لماذا الآن…؟” همست لنفسها.
أخرجت هاتفها، نظرت إلى الشاشة، ثم إلى اسمٍ ظاهر فيها… اسم لم تتصل به منذ وقت طويل.
ترددت.
ثم أغلقت الهاتف بسرعة، وكأنها تهرب من قرار.
لكن قبل أن تضعه في حقيبتها، وصل إشعار.
رقم غير محفوظ.
رسالة قصيرة:
“أخيرًا وجدتك.”
تجمدت للحظة.
لم يكن هذا ممكنًا… أو هكذا كانت تعتقد.
رفعت رأسها ببطء، نظرت حولها، وكأنها تتوقع أن ترى أحدًا يراقبها.
لكن الشارع كان فارغًا.
هادئًا بشكل مريب.
عادت تنظر إلى الهاتف.
الرسالة ما زالت هناك.
“أخيرًا وجدتك.”
وشيء ما في داخلها… أخبرها أن هذا اللقاء لم يكن صدفة أبدًا.