لم تكن الحدود التي اتفقا عليها واضحة كما ظنا.
“لا نتوقع… لا نضغط… لا نطلب أكثر مما يُعطى.”
بدت جملة متوازنة… ذكية… وآمنة.
لكن الحقيقة؟ أنها كانت بداية تعقيد جديد.
—
مرت الأيام التالية بشكل مختلف.
لم يعد اللقاء بين آدم ونور محكومًا بالصدفة فقط، لكنه أيضًا لم يتحول إلى موعد صريح. كان بينهما شيء يشبه الاتفاق غير المكتوب… يلتقيان حين يريدان، ويتباعدان حين يخافان.
وهذا… كان يحدث كثيرًا.
—
في أحد المساءات، كانا جالسين في نفس المقهى.
صامتين.
لكن الصمت لم يكن فارغًا.
كان… مليئًا بشيء لم يُقال.
—
“أنت هادئ اليوم.” قالت نور.
—
“وأنتِ تلاحظين أكثر من اللازم.”
—
“هذه طبيعتي.”
—
“وأنا… أحاول أن أفهمها.”
—
نظرت إليه.
—
“وفهمت؟”
—
“جزئيًا.”
—
“ماذا فهمت؟”
—
فكر قليلًا.
—
“أنكِ… تقولين أقل مما تشعرين.”
—
توقفت.
—
“وأنت؟”
—
“أقول أكثر مما يجب.”
—
ابتسمت.
“وهذا خطر.”
—
“وأنتِ… الغموض لديكِ خطر.”
—
“أحمي نفسي.”
—
“وأنا… لا أفعل.”
—
“وهذا يجعلك ضعيفًا.”
—
“أو صادقًا.”
—
صمتت.
—
ثم قالت:
“الصدق لا يكفي.”
—
“لكنه بداية.”
—
“والنهاية؟”
—
“لم نصل لها بعد.”
—
نظرت إليه.
—
“وأنت دائمًا تفكر بالنهاية.”
—
“لأنها تحدد قيمة البداية.”
—
“أو تفسدها.” قالت.
—
ضحك بخفة.
“أنتِ معقدة.”
—
“وأنت بسيط أكثر من اللازم.”
—
“ربما نكمل بعضنا.”
—
توقفت.
—
نظرت إليه ببطء.
—
“أو نكسر بعضنا.”
—
سكت.
—
ثم قال:
“هل هذا ما تخافين منه؟”
—
لم تجب.
—
لكن عينيها قالتا كل شيء.
—
“نور…” قال بهدوء.
“ما الذي حدث لكِ؟”
—
صمت.
—
هذه المرة… أطول.
—
“قلت لك… ليس حديث لقاء.”
—
“نحن لم نعد في البداية.”
—
“ولسنا في المنتصف.” قالت بسرعة.
—
“إذًا أين نحن؟”
—
نظرت إليه.
—
ثم قالت:
“في مكان خطر.”
—
“لماذا؟”
—
“لأننا بدأنا نشعر… دون أن نعترف.”
—
توقف.
—
“وأنتِ تعترفين الآن.”
—
“لأني أكره الكذب… خاصة مع نفسي.”
—
صمت.
—
ثم قال:
“وأنا… أشعر.”
—
نظرت إليه.
—
“أعرف.”
—
“وكيف هذا لا يخيفك؟”
—
“لأنه ليس مشاعري أنا.”
—
تجمد.
—
“وهذا ما يجعله أخطر.”
—
“لماذا؟”
—
“لأنك قد تتأذى… بسببي.”
—
“وهل هذا يهمك؟”
—
سكتت.
—
ثم قالت:
“نعم.”
—
“إذًا… لا تبتعدي.”
—
“ليس بهذه البساطة.”
—
“لماذا؟”
—
“لأن المشكلة… ليست فيك.”
—
“بل؟”
—
“فيّ.”
—
صمت.
—
ثم قال:
“هذا الجواب الذي يستخدمه الجميع للهروب.”
—
“وأحيانًا… يكون حقيقيًا.”
—
نظر إليها.
—
“أثبتِ ذلك.”
—
ترددت.
—
ثم قالت:
“كنت في علاقة.”
—
“متى؟”
—
“منذ سنتين.”
—
“وانتهت؟”
—
“نعم.”
—
“كيف؟”
—
صمتت.
—
ثم قالت:
“بشكل سيء.”
—
“كل العلاقات تنتهي بشكل سيء.”
—
“ليس هكذا.”
—
نظر إليها.
—
“ماذا حدث؟”
—
تنفست ببطء.
—
“كنت أظن أنه الشخص المناسب.”
—
“وهذا طبيعي.”
—
“لكنه… لم يكن كما ظننت.”
—
“كيف؟”
—
“كان مختلفًا في البداية… ثم تغير.”
—
“تغير كيف؟”
—
“أصبح شخصًا لا أعرفه.”
—
“وهذا يحدث.”
—
“ليس بهذا الشكل.”
—
“اشرحي.”
—
صمتت.
—
ثم قالت:
“أصبح… يتحكم.”
—
تجهم وجه آدم.
—
“بأي معنى؟”
—
“بكل شيء.”
—
“وهذا غير طبيعي.”
—
“أعرف الآن.”
—
“وماذا فعلتِ؟”
—
“بقيت.”
—
تفاجأ.
—
“لماذا؟”
—
“لأني كنت أظن… أنه سيتغير.”
—
“وتغير؟”
—
“نعم…”
—
“إلى الأفضل؟”
—
نظرت إليه.
—
“إلى الأسوأ.”
—
صمت.
—
“ومتى انتهى؟”
—
“حين أدركت… أني لم أعد نفسي.”
—
“وكيف خرجتِ؟”
—
“بصعوبة.”
—
“هل أذاكِ؟”
—
ترددت.
—
ثم قالت:
“بما يكفي… لأتغير.”
—
سكت.
—
ثم قال:
“وهذا ما يجعلكِ تخافين.”
—
“نعم.”
—
“لكنني… لست هو.”
—
“أعرف.”
—
“إذًا؟”
—
“الخوف… لا يفرق.”
—
نظر إليها.
—
“وهل ستدعينه يتحكم بكِ مرة أخرى؟”
—
“أنا لا أسمح له.”
—
“لكنه يفعل.”
—
“كيف؟”
—
“بمنعك من البدء.”
—
سكتت.
—
ثم قالت:
“أنا لا أمنع… أنا أحذر.”
—
“الفرق بسيط… لكن النتيجة واحدة.”
—
نظرت إليه.
—
“وأنت؟”
—
“ماذا عني؟”
—
“لماذا أنت هكذا؟”
—
“كيف؟”
—
“تقترب… دون خوف.”
—
فكر.
—
ثم قال:
“لأني تعبت من البعد.”
—
“هل تأذيت؟”
—
“نعم.”
—
“ومع ذلك… لا تخاف؟”
—
“أخاف… لكن لا أهرب.”
—
نظرت إليه طويلًا.
—
ثم قالت:
“أنا أهرب.”
—
“أعرف.”
—
“ولا أريد أن أؤذيك.”
—
“ربما… لا تفعلين.”
—
“وربما… أفعل.”
—
“وأنا أقبل الاحتمال.”
—
صمتت.
—
ثم قالت:
“لماذا؟”
—
نظر إليها.
—
وقال بهدوء:
“لأنكِ تستحقين المحاولة.”
—
تجمدت.
—
لم يكن هذا ما توقعت سماعه.
—
نظرت بعيدًا.
—
“لا تقل أشياء كهذه…”
—
“لماذا؟”
—
“لأنها… تؤثر.”
—
“وهذا سيء؟”
—
“بالنسبة لي… نعم.”
—
“ولماذا؟”
—
نظرت إليه.
—
ثم قالت:
“لأنني بدأت… لا أريد أن أبتعد.”
—
سكت.
—
ثم ابتسم.
—
“وأنا… لا أريدك أن تبتعدي.”
—
تبادلا نظرة طويلة.
—
هادئة.
—
لكنها… لم تكن آمنة.
—
وفي تلك اللحظة…
—
كانت الحدود التي وضعاها…
—
تبدأ في التلاشي.