الظلام لم يكن مجرد غياب للضوء… بل كان حضورًا كثيفًا لشيء آخر.
شيء يراقب.
شيء يقترب.
تجمدت ليلى مكانها، ويدها تبحث بشكل غريزي عن أي شيء تتمسك به. وجدت ذراع سليم، تشبثت به دون وعي.
“هل سمعت…؟” همست.
“نعم.” قالها بصوت منخفض، لكنه ثابت.
الصوت كان واضحًا.
لم يكن خيالًا.
كان هناك شخص داخل المنزل.
—
“لا تتحركي.” قال سليم وهو يحاول أن يحدد مصدر الصوت.
لكن قلبه كان ينبض بقوة.
ليس خوفًا فقط… بل استعدادًا.
—
صوت خطوات.
بطيئة.
مدروسة.
تقترب.
—
“رامي…” قالها سليم بصوت مرتفع قليلًا.
“إذا كنت هنا… أظهر نفسك.”
صمت.
ثم…
ضحكة خافتة.
قريبة.
أقرب مما ينبغي.
—
“دائمًا شجاع… حتى عندما لا يجب أن تكون.”
صوت رامي.
واضح.
داخل نفس الغرفة.
—
حاولت ليلى أن ترى شيئًا، أي حركة، أي ظل… لكن الظلام كان كثيفًا.
“لماذا تفعل هذا؟!” قالت بصوت مرتجف.
“لأني أستطيع.” جاء الرد فورًا.
“هذا ليس طبيعيًا…” همست.
“ولا أنا.” قالها بهدوء مخيف.
—
فجأة…
ومضة ضوء.
الهاتف في يد سليم.
أضاء الكشاف.
—
تحرك الشعاع بسرعة عبر الغرفة.
الجدران… الأثاث… الفراغ…
ثم توقف.
—
عند الزاوية.
كان هناك.
واقف.
بهدوء.
ينظر إليهما.
—
“أخيرًا…” قال رامي بابتسامة باردة.
“كرهت الظلام.”
—
تراجعت ليلى خطوة، واصطدمت بالحائط.
“كيف دخلت؟”
“باب… نافذة… لا يهم.” قال بلا مبالاة.
“المهم أني هنا.”
—
اقترب خطوة.
“اشتقت إليكِ.”
“توقف!” صرخت.
“لا تقترب!”
توقف.
لكن ليس لأنه خاف.
بل لأنه أراد.
—
نظر إلى سليم.
“ما زلت هنا…؟”
“ولن أذهب.” رد سليم بثبات.
“عنيد.” قال رامي.
“لكن العناد… لا يحمي أحدًا.”
—
“أنت مريض.” قال سليم.
“وهذا ينتهي الآن.”
ضحك رامي.
“ينتهي؟”
ثم أشار بيده ببطء.
“هذا… لم يبدأ بعد.”
—
اقترب أكثر.
الضوء كشف ملامحه بوضوح.
عيناه… لم تكونا طبيعيتين.
كان فيهما شيء… مكسور.
شيء خطير.
—
“ليلى…” قالها بصوت مختلف.
“انظري إلي.”
هزت رأسها بقوة.
“لا.”
“انظري إلي.” كررها.
“قلت لا!”
—
اقترب خطوة أخرى.
“لماذا؟”
صمتت.
—
“هل تخافين أن تتذكري؟”
ارتجف جسدها.
—
“أنتِ تعرفين…” قال بصوت منخفض.
“أنكِ لم تكوني سعيدة بدوني.”
“هذا كذب!”
“أحقًا؟”
—
“كنتِ تعودين إليّ دائمًا.” قال.
“حتى عندما حاولتِ الابتعاد.”
—
“لأنك لم تتركني!” صرخت.
—
صمت.
ثم ابتسم.
“وهذا ما سأفعله الآن.”
—
“لن تقترب منها.” قال سليم وهو يتقدم خطوة.
—
نظر إليه رامي.
بهدوء.
ثم قال:
“أنت لا تفهم…”
—
وفي لحظة واحدة…
تحرك.
بسرعة.
أسرع مما توقع سليم.
—
اصطدمت يداه بسليم.
سقط الهاتف.
انطفأ الضوء.
—
عاد الظلام.
لكن هذه المرة… لم يكن ساكنًا.
—
صوت اشتباك.
حركة.
أنفاس ثقيلة.
—
“توقف!” صرخت ليلى.
—
ثم…
صوت ضربة.
—
وسكون.
—
“سليم؟!”
لا رد.
—
“سليم!”
—
صوت خافت.
“أنا… بخير…”
لكن صوته… لم يكن مطمئنًا.
—
عاد الضوء فجأة.
مصباح صغير اشتعل.
—
رأت المشهد.
سليم على الأرض.
يتنفس بصعوبة.
ورامي… يقف فوقه.
—
“قلت لك…” قال وهو ينظر إليه.
“العناد لا يحمي.”
—
اقترب أكثر.
انحنى قليلًا.
“يمكنني إنهاء هذا الآن.”
—
“لا!” صرخت ليلى.
—
توقف.
نظر إليها.
—
“إذًا… قوليها.”
—
“ماذا؟” سألت بصوت مرتجف.
—
“قولي أنكِ ستبقين معي.”
—
صمت.
—
“رامي…” قالت ببطء.
“هذا ليس حبًا.”
—
“بل هو.” قال بحدة.
“وأنتِ تعرفين.”
—
نظرت إلى سليم.
ثم إليه.
—
لحظة.
قرار.
—
“لن أبقى معك.”
—
تجمد.
—
الصمت هذه المرة… كان مختلفًا.
—
اختفت الابتسامة.
اختفى الهدوء.
—
ظهر شيء آخر.
شيء مظلم.
—
“حسنًا…” قال ببطء.
—
ثم وقف.
ابتعد خطوة.
—
“إذًا… لا أحد سيبقى.”
—
اتسعت عيناها.
“ماذا تعني؟”
—
نظر إلى سليم.
—
ثم…
أخرج شيئًا من جيبه.
—
شيء معدني.
بارد.
خطير.
—
تجمدت.
—
“رامي… لا—”
—
لكن كلمتها لم تكتمل.
—
لأن اللحظة…
كانت على وشك أن تنفجر.