لم تنم ليلى تلك الليلة.
لم يكن السبب مجرد رسالة غامضة من رقم مجهول… بل الإحساس الذي رافقها بعدها. ذلك الشعور الثقيل الذي لا يمكن تفسيره، كأن أحدًا فتح بابًا قديمًا داخلها، بابًا كانت تحرص على إبقائه مغلقًا مهما كلف الأمر.
جلست على سريرها، والهاتف بين يديها، تعيد قراءة الرسالة للمرة العاشرة… وربما أكثر.
“أخيرًا وجدتك.”
كلمات بسيطة، لكنها لم تكن بريئة.
كان فيها يقين… معرفة… شيء لا يُقال عادةً لشخص غريب.
“وجدتك من أين؟” تمتمت بصوت منخفض.
حاولت أن تقنع نفسها أن الأمر مجرد مزحة ثقيلة، أو رقم أخطأ الهدف. لكن قلبها لم يصدق ذلك. كان ينبض بسرعة، وكأنه يتذكر شيئًا قبل عقلها.
وضعت الهاتف جانبًا، ثم التقطته مجددًا.
كتبت رسالة:
“من أنت؟”
ترددت.
ثم حذفتها.
أعادت كتابتها:
“أظن أنك أخطأت الرقم.”
ترددت مرة أخرى.
ثم أغلقت الهاتف بالكامل، وكأن الحل الوحيد هو الهروب.
لكن المشكلة… لم تكن في الهاتف.
—
في الجهة الأخرى من المدينة، كان سليم يجلس في شرفته، ينظر إلى السماء التي بدأت تتصافى بعد المطر.
كان يحمل كوب قهوة لم يلمسه منذ دقائق طويلة. عينيه ثابتتان، لكن ذهنه لم يكن هنا.
كان معها.
مع تلك اللحظة تحت المظلة.
مع الطريقة التي قالت بها اسمها… أو ربما لم تقله.
“هل هذا اسمك الحقيقي؟”
ابتسم بسخرية خفيفة من نفسه.
“سؤال غبي…”
لكنه لم يكن كذلك بالنسبة له.
كان هناك شيء غير مريح في تلك الإجابة. ليس لأنها غامضة، بل لأنها… بدت مقصودة.
وكأنها لا تريد أن تُعرف بالكامل.
وكأنه… ليس أول من يسألها هذا السؤال.
تنهد ببطء، ثم أخذ رشفة من القهوة التي أصبحت باردة.
“ولماذا يهمك أصلاً؟” قال لنفسه.
لكنه كان يعرف الإجابة.
لأنها لم تكن مجرد عابرة.
لأن شيئًا فيها… بدا مألوفًا بشكل غريب.
ليس كذكرى واضحة، بل كإحساس… كأنك تقف في مكان زرته في حلم قديم.
—
في صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى متأخرة.
لم تشعر بالنوم، فقط بمرور الوقت.
غسلت وجهها بسرعة، ووقفت أمام المرآة.
حدقت في انعكاسها لثوانٍ طويلة.
“أنتِ بخير.” قالتها لنفسها.
لكن صوتها لم يكن مقنعًا.
ارتدت ملابسها على عجل، وحاولت أن تبدأ يومها بشكل طبيعي. لكن كلمة “طبيعي” لم تعد مناسبة.
كل شيء بدا مشوشًا.
حتى الطريق إلى العمل… بدا أطول من المعتاد.
—
دخلت المكتب، ألقت تحية سريعة، وجلست خلف مكتبها.
حاولت أن تركز في عملها، أن تنشغل، أن تُبعد تفكيرها عن الرسالة.
لكن الهاتف… كان هناك.
صامت، لكنه حاضر.
بعد دقائق من المقاومة، التقطته.
فتحته.
لا رسائل جديدة.
تنفست ببطء، لكنها لم تشعر بالراحة.
بل بالعكس… شعرت أن الصمت أسوأ.
—
في نفس اللحظة تقريبًا، كان سليم يقف أمام مقهى صغير في شارع الورد.
لم يخطط للمجيء.
أو هكذا أقنع نفسه.
لكنه كان هناك.
ينظر إلى المكان الذي افترق فيه عنها بالأمس.
“ربما تمر من هنا.” قالها كفكرة عابرة.
لكنها لم تكن عابرة.
دخل المقهى، جلس قرب النافذة، وطلب قهوة.
اختار نفس الزاوية التي تطل على الشارع.
وكأنه… ينتظر.
—
مرت ساعة.
ثم أخرى.
لم تأتِ.
ابتسم لنفسه.
“طبعًا لن تأتي… ما الذي كنت تتوقعه؟”
رفع كوبه، لكنه لم يشرب.
كان على وشك أن ينهض، أن يغادر، أن ينهي هذا العبث…
حين لمحها.
على الجانب الآخر من الشارع.
كانت تمشي بسرعة، وكأنها تحاول الوصول إلى مكان ما دون أن تتوقف.
رفع رأسه قليلًا، وكأن قلبه سبقه.
“ليلى…”
لم تسمعه.
كانت بعيدة قليلًا، ومشغولة.
لكن شيئًا في ملامحها… لم يكن طبيعيًا.
لم تكن نفس الفتاة التي قابلها بالأمس.
كانت متوترة.
خائفة… ربما.
نهض بسرعة، خرج من المقهى، ونادى بصوت أعلى:
“ليلى!”
توقفت.
استدارت.
نظرت إليه.
وللحظة… لم تتكلم.
ثم اقتربت منه بخطوات مترددة.
“سليم…؟”
“نعم… أنا.” قالها وهو يحاول أن يفهم.
“هل أنتِ بخير؟”
ترددت.
نظرت حولها.
ثم قالت بصوت منخفض:
“هل… كنت تتبعني؟”
تفاجأ.
“ماذا؟ لا… أنا فقط كنت هنا…”
لكنها لم تبدُ مقتنعة.
أو ربما… لم تكن المشكلة فيه.
“أنا… لا أعرف.” قالت وهي تمسك بحقيبتها بقوة.
“هناك شيء غريب…”
نظر إليها بجدية.
“مثل ماذا؟”
ترددت للحظة، ثم قالت:
“هل… أرسلت لي رسالة أمس؟”
“رسالة؟ لا…”
صمتت.
نظرت في عينيه، وكأنها تبحث عن كذب.
لكنها لم تجده.
“حسنًا…” قالتها ببطء.
ثم أخرجت هاتفها، وفتحت الرسالة، وأرته.
قرأها.
“أخيرًا وجدتك.”
رفع عينيه إليها.
“من هذا؟”
“لا أعلم.”
“رقم مجهول؟”
“نعم.”
صمتا للحظة.
ثم قال:
“ربما مجرد شخص يعرفك؟”
هزت رأسها ببطء.
“المشكلة… أني أشعر أنه يعرفني أكثر مما يجب.”
نظر إليها بتركيز.
“ماذا تقصدين؟”
ترددت.
ثم قالت:
“أشعر… أنه يعرف شيئًا عني… أنا نفسي أحاول نسيانه.”
لم يفهم بالكامل، لكنه شعر بثقل كلماتها.
“هل أنتِ في خطر؟” سألها مباشرة.
نظرت إليه.
لم تجب فورًا.
ثم قالت:
“لا أعلم…”
وفي تلك اللحظة، اهتز هاتفها.
رسالة جديدة.
نظرت إلى الشاشة.
ثم تجمدت.
“ماذا؟” سألها.
لم ترد.
فقط رفعت الهاتف نحوه.
رسالة جديدة من نفس الرقم:
“ليس من الجيد أن تثقي بالغرباء… خصوصًا هو.”
رفع سليم حاجبيه.
“هو؟”
نظرت إليه ببطء.
وعيناها هذه المرة… لم تكونا فقط خائفتين.
بل… متشككتين.
وكأن السؤال الذي لم يُطرح بعد… بدأ يتشكل بينهما:
من يراقبهما؟… ولماذا يعرف عنه هو تحديدًا؟