تجمدت اللحظة بينهما، وكأن الزمن قرر أن يتوقف ليراقب ما سيحدث.
كانت ليلى تمسك الهاتف بيد مرتجفة، وعيناها مثبتتان على الرسالة، بينما يقف سليم أمامها محاولًا أن يستوعب ما قرأه للتو.
“ليس من الجيد أن تثقي بالغرباء… خصوصًا هو.”
رفع سليم نظره إليها، يبحث عن أي تفسير، أي رد فعل يطمئنه أن هذا مجرد سوء فهم.
لكن ما وجده… لم يكن كذلك.
كانت تنظر إليه الآن بطريقة مختلفة.
ليست خائفة فقط… بل حذرة.
وكأن شيئًا ما انكسر داخلها في تلك اللحظة.
“ليلى…” قالها بهدوء، لكنه شعر أن صوته أثقل مما ينبغي.
“أنتِ لا تصدقين هذا، صحيح؟”
لم تجب فورًا.
وهنا كانت المشكلة.
لو أنكرت مباشرة، لكان الأمر بسيطًا.
لكن ترددها… كان كافيًا.
“أنا لا أعرف.” قالت أخيرًا.
جملة قصيرة، لكنها حملت بين طياتها كل شيء.
عدم اليقين.
الخوف.
والشك… الذي بدأ يتسلل.
تنفس سليم ببطء، محاولًا أن يبقى هادئًا.
“هذا رقم مجهول. أي شخص يمكن أن يرسل رسالة كهذه.”
“أعلم.” قالت، لكنها لم تبدُ مقتنعة بالكامل.
“لكن… كيف يعرف أنك معي الآن؟”
سؤالها لم يكن موجهًا فقط للعقل… بل للقلب.
سليم صمت.
لأنه… لا يملك إجابة.
—
نظر حوله بسرعة، كأنه يتوقع أن يرى أحدًا يراقبهما.
الشارع كان عاديًا.
الناس تمشي، السيارات تمر، لا شيء يبدو خارج المألوف.
لكن الإحساس… لم يكن عاديًا.
“هل لاحظتِ أحدًا يتبعك؟” سأل.
“لا… أو ربما لم أنتبه.” قالت وهي تضغط على هاتفها.
“هل حدث شيء مشابه من قبل؟”
ترددت.
ثم هزت رأسها ببطء.
“ليس بهذه الطريقة…”
“بأي طريقة إذًا؟”
نظرت إليه.
وهنا… عادت تلك النظرة.
نظرة الشخص الذي يفكر: هل يجب أن أقول الحقيقة… أم أحتفظ بها؟
“ليلى.” قال بنبرة أكثر جدية.
“إذا كان هناك شيء… يجب أن أعرفه.”
تنفست بعمق.
ثم قالت:
“أحيانًا… أشعر أن الماضي لا يتركني.”
“ماذا تقصدين؟”
“أقصد… أن هناك أشياء حاولت أن أنساها، أن أبدأ من جديد… لكن يبدو أنها لا تريد أن تختفي.”
اقترب خطوة صغيرة.
“هل هذا الشخص… من ماضيك؟”
لم تجب.
لكن صمتها… كان إجابة.
—
مرت لحظات من الصمت الثقيل.
ثم قالت فجأة:
“يجب أن أذهب.”
تفاجأ.
“الآن؟”
“نعم.”
“ليلى، انتظري—”
لكنها كانت قد بدأت بالابتعاد.
“أنا آسفة.” قالت دون أن تنظر إليه.
“هذا… ليس الوقت المناسب.”
“ولمتى يكون مناسبًا؟” سأل، بنبرة لم يستطع إخفاء الإحباط فيها.
توقفت.
لكنها لم تستدر.
“حين لا أكون خائفة من كل شيء.”
ثم أكملت طريقها.
هذه المرة… دون أن تنتظر.
—
بقي سليم مكانه، يراقبها وهي تبتعد.
شعر بشيء غريب.
ليس فقط القلق عليها… بل شيء آخر.
إحساس بأنه… دخل في قصة لا يفهمها بعد.
وأن خروجه منها… قد لا يكون بهذه السهولة.
نظر إلى هاتفه.
فكر للحظة.
ثم أخرج هاتفه، وفتح الكاميرا، وبدأ يلتقط صورًا سريعة للشارع.
ليس لأنه يعرف ما يفعل… بل لأنه لا يريد أن يقف بلا فعل.
“إذا كان هناك أحد يراقب…” تمتم.
“فسأجده.”
لكن داخله… لم يكن واثقًا.
—
في طريقها، كانت ليلى تمشي بسرعة، وكأنها تهرب.
من ماذا؟
لم تكن متأكدة.
لكنها شعرت أن الوقوف… خطر.
دخلت أول مبنى قابلها، وقفت بجانب الجدار، تحاول أن تستعيد أنفاسها.
فتحت هاتفها.
نظرت إلى الرسائل.
ثم كتبت بسرعة:
“ماذا تريد؟”
أرسلتها هذه المرة.
لم تتردد.
مرت ثوانٍ.
ثم… رد.
“أريد أن أتأكد أنكِ لم تنسي.”
اتسعت عيناها.
“أنسى ماذا؟”
الرد جاء أسرع هذه المرة:
“أنكِ لستِ كما تظنين.”
تجمدت.
شعرت وكأن الأرض تهتز تحتها.
“من أنت؟”
لكن الرد هذه المرة… تأخر.
—
في الخارج، كان سليم ما يزال في نفس المكان.
لكن شيئًا ما… لفت انتباهه.
سيارة سوداء، متوقفة منذ فترة.
زجاجها مظلل.
لم تكن غريبة بحد ذاتها… لكن وجودها المستمر… كان.
اقترب قليلًا، بحذر.
حاول أن يرى من الداخل.
لكن لم يستطع.
وفجأة…
انخفض الزجاج قليلًا.
ببطء.
وكأن من في الداخل… كان ينتظره.
توقف سليم.
تجمدت خطواته.
وقبل أن يتمكن من رؤية الوجه بوضوح…
صدر صوت من الداخل:
“ابتعد عنها… إن كنت تريد أن تبقى بخير.”
صوت بارد.
هادئ.
لكنه لم يكن تهديدًا عاديًا.
كان… واثقًا.
وقبل أن يرد، أو حتى يستوعب…
ارتفع الزجاج مجددًا.
وانطلقت السيارة.
بسرعة.
بقي سليم واقفًا، يراقبها وهي تختفي.
وقلبه… بدأ يدق بطريقة مختلفة.
ليس خوفًا فقط…
بل إدراكًا.
أن هذه القصة…
لم تبدأ بهما.
بل كانا… جزءًا منها منذ وقت لم يعرفاه.