بين ظلال المطر ونبض الغياب - رواية رومانسية

ظل سليم واقفًا مكانه، وكأن الكلمات التي سمعها قبل لحظات لم تجد طريقها الكامل إلى وعيه بعد.

“كنت… أحبّه.”

الجملة لم تكن مجرد اعتراف، بل كانت كفيلة بإعادة ترتيب كل شيء في ذهنه بشكل مختلف.

نظر إلى ليلى.

لم يرَ فقط فتاة خائفة… بل رأى شخصًا يحمل تاريخًا معقدًا، شيئًا أعمق من مجرد لقاء عابر أو مشاعر بدأت تتشكل.

“وما زلتِ؟” سألها مباشرة.

لم تتوقع السؤال.

رفعت عينيها نحوه، وترددت.

وهذا التردد… كان مؤلمًا.

“لا.” قالت أخيرًا.

لكن هذه الـ “لا”… لم تكن حاسمة كما يجب.

تنهد سليم، وأدار وجهه قليلًا، وكأنه يحاول أن يمنح نفسه لحظة.

“حسنًا… إذًا نحن لا نتعامل مع غريب. نحن نتعامل مع شخص من ماضيك، يعرفك، ويراقبك، ويهددني… وأنتِ كنتِ تحبينه.”

“انتهى الأمر.” قالت بسرعة.

“هل انتهى بالنسبة له؟”

صمتت.

وهنا… كانت المشكلة.

جلس سليم على الأريكة، مرر يده على وجهه.

“ليلى، أنا لا أحتاج قصة كاملة الآن… لكني أحتاج الحقيقة.”

اقتربت خطوة، ثم جلست أمامه.

“الحقيقة… ليست سهلة.”

“لكنها ضرورية.”

نظرت إليه، وكأنها تقرر.

ثم بدأت:

“رامي… لم يكن مجرد شخص في حياتي. كان كل شيء.”

صمت سليم، يستمع.

“التقيت به منذ سنوات. لم يكن مثل أي شخص آخر… كان ذكيًا، واثقًا، يعرف كيف يجعلك تشعر أنك الوحيد في العالم.”

ابتسمت بسخرية خفيفة.
“أو هكذا كنت أظن.”

“وماذا حدث؟”

تنفست ببطء.

“في البداية… كان كل شيء مثاليًا. ثم بدأ يتغير.”

“كيف؟”

“السيطرة.” قالت الكلمة وكأنها ثقيلة.
“لم يكن يحب أن أكون مع أحد غيره. لم يكن يحب أن أقرر شيئًا بدونه. كان يريد… أن أكون له فقط.”

تجهم وجه سليم.

“وهذا ليس حبًا.”

“أعرف الآن.” قالت بهدوء.
“لكن في ذلك الوقت… لم أكن أرى الأمور بوضوح.”

“ومتى انتهى؟”

نظرت إلى الأرض.

“حين أدركت أنني لم أعد نفسي.”

صمتت للحظة.

ثم أضافت:
“حاولت أن أبتعد. لم يكن الأمر سهلًا. كان يرفض… يضغط… يهدد أحيانًا.”

رفع سليم رأسه بسرعة.
“هددك؟”

“ليس بشكل مباشر دائمًا… لكنه كان يعرف كيف يجعلني أخاف.”

“وماذا حدث بعدها؟”

“اختفى.” قالت ببساطة.

“اختفى؟”

“نعم. فجأة. دون تفسير.”

“وهذا ما جعلك تعتقدين أنه انتهى.”

“نعم.”

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم قال سليم:
“لكنه لم ينتهِ.”

“واضح.” قالت وهي تنظر إلى الباب وكأنها تتوقع عودته.

“ليلى…” قال سليم بهدوء هذه المرة.
“هناك شيء آخر.”

نظرت إليه.

“هو لا يراقبك فقط… هو يعرف عني.”

“كيف؟”

“لا أعلم.”

تجمدت.

“هل… يمكن أنه كان يراقبك منذ البداية؟”

“أو…” قال سليم ببطء.
“أنه لم يختفِ كما كنتِ تظنين.”

اتسعت عيناها.

“لا…” همست.
“هذا يعني…”

“أنه كان قريبًا طوال الوقت.”

وضعت يدها على فمها، وكأنها تحاول أن تستوعب الفكرة.

“هذا مستحيل…”

“أنتِ قلتِ بنفسك… أنه يعرف كيف يجعلك تخافين.”

وقف سليم.

“اسمعي… نحن لا نستطيع أن نبقى هكذا.”

“ماذا تقصد؟”

“نحتاج أن نتصرف. هذا ليس مجرد شخص غاضب… هذا شخص مهووس.”

“أعرف.”

“وهذا يجعله خطيرًا.”

اقترب منها.

“هل هناك شيء آخر لم تخبريني به؟”

نظرت إليه.

ترددت.

ثم قالت:
“هناك… شيء.”

“ما هو؟”

“قبل أن يختفي… قال لي جملة.”

“ماذا قال؟”

أغمضت عينيها، وكأنها تعود إلى تلك اللحظة.

ثم قالت:

“إذا لم تكوني لي… فلن تكوني لأي أحد.”

ساد الصمت.

لكن هذه المرة… لم يكن مجرد صمت.

كان تحذيرًا.

وفجأة…

رن هاتف سليم.

نظر إلى الشاشة.

رقم مجهول.

تبادل النظرات مع ليلى.

ثم أجاب.

“ألو؟”

صمت.

ثم…

نفس الصوت.

“يبدو أنك لم تفهم الرسالة.”

تجمد.

“رامي.”

ضحكة خفيفة.
“جيد… بدأت تتعلم.”

“ماذا تريد؟”

“قلت لك… ابتعد عنها.”

“هذا لن يحدث.”

صمت لثانية.

ثم…

“إذًا… أنت تختار الطريق الصعب.”

“هدد كما تشاء.”

ضحك رامي.

“أنا لا أهدد…”

توقف.

ثم قال بصوت منخفض جدًا:

“أنا أنفذ.”

وانقطع الاتصال.

نظر سليم إلى الهاتف.

ثم إلى ليلى.

“هذا ليس جيدًا.”

“أعلم…”

وفي تلك اللحظة…

انطفأت الأنوار فجأة.

غرق المكان في الظلام.

“ليلى…؟”

“أنا هنا…”

صوت في الخارج.

حركة.

خطوات… ليست بعيدة.

ثم…

صوت شيء يُكسر.

تجمد كلاهما.

وفي الظلام…

همس صوت قريب جدًا…

قريب أكثر مما يجب:

“قلت لك… لن أختفي.”

وكان هذه المرة… داخل المنزل.