بين ظلال المطر ونبض الغياب - رواية رومانسية

تجمدت يد ليلى فوق مقبض الباب.

لم يكن الخوف مجرد إحساس عابر… بل كان يقينًا بداخلها أن ما خلف هذا الباب سيغير كل شيء. صوت الرجل لم يكن غريبًا، ولم يكن أيضًا مألوفًا بالكامل… لكنه حمل نبرة دفنتها منذ زمن، وحاولت أن تمحوها من ذاكرتها.

“افتحي يا ليلى… نحن بحاجة أن نتحدث.”

أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تمنح نفسها فرصة أخيرة للتراجع.

لكنها فتحت الباب.

ببطء.

وبحذر.

وقف أمامها.

نفس الملامح تقريبًا… لكن الزمن ترك بصمته. عيون أكثر حدة، ملامح أكثر قسوة، وابتسامة لا تشبه أي ابتسامة تذكرها.

“مرحبًا… ليلى.”

تراجعت خطوة دون أن تشعر.

“أنت…؟”

لم تستطع إكمال الكلمة.

لكنه أكمل عنها:

“اشتقتِ لي؟”

كانت الجملة مستفزة… باردة… وكأنها مزحة سوداء.

“هذا… مستحيل.” همست.

“أعرف أنكِ تظنين ذلك.” قال وهو يميل قليلًا، ينظر داخل عينيها.
“لكنني هنا.”

سادت لحظة صمت ثقيلة.

ثم قالت، بصوت مكسور:
“أنت اختفيت.”

“اختفيت… نعم.” ابتسم.
“لكن لم أنتهِ.”

نظرت إليه، والخوف بدأ يتحول إلى شيء آخر… غضب.

“لماذا جئت؟”

“لأن الوقت حان.”

“حان لِماذا؟”

اقترب خطوة.

“لتتذكري.”

في نفس اللحظة، كان سليم يقف أمام باب شقة ليلى.

وصل بسرعة، بعد أن حاول الاتصال بها عدة مرات دون رد.

لم يكن يعرف بالضبط لماذا جاء… لكنه شعر أن عليه أن يفعل.

رفع يده ليطرق الباب…

لكنه توقف.

سمع صوتًا من الداخل.

صوت رجل.

تجمد.

“لتتذكري.”

اتسعت عينا سليم.

اقترب أكثر من الباب، دون أن يصدر صوتًا.

في الداخل، كانت ليلى تنظر إلى الرجل وكأنها تحاول أن تربط بين الماضي والحاضر.

“لا أريد أن أتذكر.” قالت بحدة.
“انتهى كل شيء.”

ضحك بخفة.
“انتهى؟ بالنسبة لكِ ربما… لكن ليس بالنسبة لي.”

“أنا لا علاقة لي بك بعد الآن.”

“وهل تعتقدين أن الأمر بهذه البساطة؟” قال بنبرة تغيرت فجأة.

“نعم.” ردت بسرعة، لكنها لم تكن واثقة.

“ليلى…” قال اسمها ببطء، وكأنه يتذوقه.
“أنتِ تعرفين جيدًا… أن ما حدث بيننا لا يمكن محوه.”

“يمكن.” قالت وهي تنظر إليه بثبات هذه المرة.
“وأنا فعلت.”

تغيرت ملامحه.

اختفت الابتسامة.

“كاذبة.”

خارج الباب، كان سليم يحاول أن يفهم.

“من هذا؟” تمتم.

لكنه لم ينتظر أكثر.

طرق الباب بقوة.

في الداخل، التفتت ليلى بسرعة.

الرجل أيضًا نظر نحو الباب.

“هل تنتظرين أحدًا؟” سألها ببرود.

لم تجب.

لكن قلبها… كان يصرخ باسم واحد.

طرق الباب مجددًا.

“ليلى! افتحي الباب!”

صوت سليم.

تنفست بعمق.

“افتحي.” قال الرجل بهدوء.
“لنرى من هذا.”

ترددت.

ثم تحركت.

فتحت الباب.

وقف سليم أمامها، ملامحه مشدودة، وعيناه تبحثان عنها أولًا.

“هل أنتِ بخير؟”

لم تجب فورًا.

ثم هزت رأسها بخفة.
“أنا…”

لكن قبل أن تكمل…

شعر بوجود شخص خلفها.

نظر.

تجمّد.

الرجل وقف بهدوء، يراقبهما.

“أوه…” قال بابتسامة خفيفة.
“يبدو أنني قاطعت لقاءً مهمًا.”

نظر سليم إلى ليلى.
“من هذا؟”

لم تجب.

وهنا… فهم أن الوضع أسوأ مما توقع.

“أنا؟” قال الرجل، وهو يقترب خطوة.
“شخص… من ماضيها.”

“ماضي انتهى.” قالت ليلى بسرعة.

نظر إليها، ثم ابتسم بسخرية.
“كما قلتِ… بالنسبة لكِ فقط.”

ثم مد يده نحو سليم.
“اسمي… رامي.”

لم يصافحه سليم.

فقط نظر إليه.

“ماذا تريد؟”

ابتسم رامي.
“سؤال مباشر… يعجبني.”

اقترب أكثر.

“أريد… أن تعود الأمور إلى مكانها الصحيح.”

“وأين هو هذا المكان؟” سأل سليم بحدة.

نظر رامي إلى ليلى.
“حيث كانت تنتمي.”

“أنا لا أنتمي لك.” قالت بقوة هذه المرة.

توقف.

نظر إليها.

ثم اقترب منها فجأة… حتى أصبحت المسافة بينهما خطيرة.

“بل كنتِ.”

تحرك سليم فورًا، وقف بينهما.

“ابتعد عنها.”

نظر رامي إليه.

ابتسم.

“أنت… هو.”

“ماذا؟”

“الشخص الذي حذرتُكِ منه.” قال وهو ينظر إلى ليلى.

اتسعت عيناها.

“أنت؟!” قالت وهي تنظر إليه بصدمة.

“نعم.” قال بهدوء.
“كنت أريد أن أرى… إلى أي مدى ستذهبين.”

نظر سليم إليه بغضب.
“أنت من أرسل الرسائل؟”

“بالطبع.”

“ولماذا؟”

اقترب أكثر، حتى أصبح قريبًا جدًا.

“لأني لا أثق بالغرباء… خصوصًا عندما يقتربون منها.”

“وأنا لا أثق بالمجانين.” رد سليم بحدة.

ضحك رامي.

لكن ضحكته… لم تكن طبيعية.

ثم فجأة…

تغير كل شيء.

اختفت الابتسامة.

وصوته أصبح باردًا:

“اسمعني جيدًا… هذه ليست قصتك.”

نظر إلى ليلى.
“وأنتِ… لن تهربي مرة أخرى.”

ثم التفت نحو الباب.

وقبل أن يخرج…

قال جملة واحدة:

“هذه المرة… لن أختفي.”

وخرج.

ساد الصمت.

ثقيل.

مربك.

نظر سليم إلى ليلى.

“من هو؟”

لم تجب فورًا.

ثم قالت بصوت منخفض:

“شخص… كان يجب ألا يعود.”

“ماذا فعل لكِ؟”

أغمضت عينيها.

“الأمر… ليس بهذه البساطة.”

“اجعليه بسيطًا.”

نظرت إليه.

ثم قالت:

“كنت… أحبّه.”

صمت.

لكن هذا الصمت… لم يكن النهاية.

بل البداية الحقيقية لكل شيء.