لم يكن التحذير الذي قالته نور مجرد جملة عابرة.
“لا تتعود عليّ.”
الكلمات ظلت عالقة في ذهن آدم طوال اليوم التالي… بل لعدة أيام. لم تكن مزعجة بقدر ما كانت واضحة، وربما هذا ما جعله غير مرتاح. الوضوح أحيانًا أصعب من الغموض، لأنه لا يترك لك مساحة لتخدع نفسك.
كان يجلس في مكتبه، ينظر إلى شاشة الحاسوب دون أن يرى شيئًا فعليًا.
“لا أبقى…”
كررها بصوت منخفض.
“ولماذا تفترضين أني أريدك أن تبقي؟” قالها لنفسه، ثم ابتسم بسخرية.
“كاذب.”
—
على الطرف الآخر من المدينة، كانت نور تحاول أن تنشغل.
رسم… تعديل… مراجعة مخططات… أي شيء.
لكن تركيزها لم يكن كاملًا.
كانت تتوقف فجأة، تنظر إلى الفراغ، ثم تعود.
“هذا غير جيد…” تمتمت.
أغلقت الحاسوب فجأة، وقفت، وسارت نحو النافذة.
“كان مجرد لقاء…”
لكن عقلها رد:
“لم يعد كذلك.”
—
مر يومان.
لم يلتقيا.
—
في اليوم الثالث…
كان آدم يسير في نفس الشارع.
ليس لأنه اعتاد.
بل لأنه… أراد.
—
نظر حوله.
لم تكن هناك.
—
“طبيعي…” قال لنفسه.
—
لكنه لم يغادر.
—
وقف.
دقيقة…
دقيقتان…
خمس.
—
ثم…
سمع صوتًا:
“ما زلت هنا.”
—
التفت.
—
نور.
—
تقف خلفه.
—
“وأنتِ أيضًا.” قال.
—
“لا.” قالت.
“أنا فقط مررت.”
—
“كاذبة.” قال بابتسامة خفيفة.
—
نظرت إليه.
ثم ابتسمت.
“ربما.”
—
صمت.
—
“اشتقتِ؟” قالها بشكل مباشر.
—
رفعت حاجبها.
“واثق جدًا.”
—
“أجرب حظي.”
—
“لا تعتمد عليه كثيرًا.” قالت.
—
“سأحاول.”
—
وقفت بجانبه.
لكن هذه المرة… لم يدخلا المقهى فورًا.
—
“أين كنتِ؟” سأل.
—
“هنا… وهناك.”
—
“إجابة غامضة.”
—
“مقصودة.”
—
“ولماذا؟”
—
نظرت إليه.
—
“لأني لا أحب أن يعرف أحد كل شيء.”
—
“وأنا لا أطلب كل شيء.”
—
“ماذا تطلب إذًا؟”
—
فكر لحظة.
—
“أن أراكِ… دون أن تختفي فجأة.”
—
صمتت.
—
“أنا لا أختفي…”
—
“بل تختارين متى تكونين موجودة.” قال.
—
توقفت.
—
“وهذا خطأ؟”
—
“لا…” قال.
“لكن… مربك.”
—
“الحياة كذلك.” قالت.
—
“ليس دائمًا.”
—
“لكنها معي… كذلك.”
—
نظر إليها.
—
“لماذا؟”
—
ترددت.
—
ثم قالت:
“لأن الثبات… لم يكن يومًا جزءًا من حياتي.”
—
“بسببك… أم بسبب الآخرين؟”
—
صمتت.
—
“كلاهما.” قالت أخيرًا.
—
“وهذا يجعلكِ تهربين؟”
—
“يجعلني… لا أتعلق.”
—
“وهذا فرق.”
—
“نفس النتيجة.” قالت.
—
“لا.” قال بهدوء.
“الفرق… أنكِ تشعرين… لكنكِ تقاومين.”
—
نظرت إليه.
—
“وأنت؟”
—
“أنا…” قال.
“لا أقاوم.”
—
“وهذا ما يخيفني.”
—
“لماذا؟”
—
“لأنك قد تتعلق… بسرعة.”
—
“وربما… بصدق.”
—
صمتت.
—
ثم قالت:
“والصدق… لا يحمي.”
—
“لكنه يستحق.”
—
نظرت إليه طويلًا.
—
ثم قالت:
“أنت تجعل الأمور تبدو سهلة.”
—
“لأنها كذلك… في البداية.”
—
“والنهاية؟”
—
“لا أعرف.”
—
“وأنا أعرف.” قالت.
—
“كيف؟”
—
“لأني عشتها.”
—
صمت.
—
ثم قال:
“لكنها ليست نفس القصة.”
—
“كل القصص… تبدأ بنفس الطريقة.”
—
“لكنها لا تنتهي بنفس الشكل.”
—
“غالبًا… تنتهي.” قالت.
—
“ليس إذا قررنا غير ذلك.”
—
نظرت إليه.
—
“تؤمن بذلك؟”
—
“أحاول.”
—
“وأنا…” قالت ببطء.
“تعبت من المحاولة.”
—
صمت.
—
ثم قال:
“إذًا لا تحاولي.”
—
“ماذا أفعل إذًا؟”
—
“كوني فقط.”
—
“وهذا أصعب.”
—
“لكن أكثر صدقًا.”
—
ترددت.
—
ثم قالت:
“طيب… لنكن صريحين.”
—
“أخيرًا.” قال.
—
“أنا… خائفة.”
—
نظر إليها بهدوء.
—
“ممن؟”
—
“من هذا.” قالت وهي تشير بينهما.
—
“ولماذا؟”
—
“لأنه… ليس عاديًا.”
—
“وهذا سيء؟”
—
“أحيانًا… نعم.”
—
“وأنا…” قال.
“لا أراه سيئًا.”
—
“لأنك لم تدفع الثمن بعد.”
—
“وربما… أقبله.”
—
نظرت إليه بصدمة خفيفة.
—
“بهذه السهولة؟”
—
“ليس بسهولة… لكن بوضوح.”
—
صمتت.
—
ثم قالت:
“أنت مختلف.”
—
“وأنتِ أيضًا.”
—
ابتسمت.
—
“وهذا… ما يجعل الأمر أصعب.”
—
“أو أجمل.” قال.
—
نظرت إليه.
—
“لا أريد أن أعدك بشيء.”
—
“لا أريد وعدًا.”
—
“ولا أريد أن أتعلق.”
—
“ولا أنا أطلب ذلك.”
—
“لكن…”
—
“لكننا بالفعل… بدأنا.” قال.
—
صمتت.
—
ثم ابتسمت بخفة.
—
“ربما.”
—
“هذه الكلمة مرة أخرى…”
—
“اعتد عليها.” قالت.
—
“لن أفعل.”
—
ضحكت.
—
ثم قالت:
“حسنًا… لنضع حدودًا.”
—
“حدود؟”
—
“نعم.”
—
“مثل ماذا؟”
—
“لا نتوقع… لا نضغط… لا نطلب أكثر مما يُعطى.”
—
فكر.
—
“هذا يبدو… عقلانيًا.”
—
“ومريحًا.”
—
“وآمنًا.” قال.
—
“بالضبط.”
—
نظر إليها.
—
ثم قال:
“لكن… هل يكفي؟”
—
تجمدت.
—
“ماذا تعني؟”
—
“أحيانًا… الحدود تمنع الألم…”
—
توقف.
—
ثم أكمل:
“لكنها أيضًا… تمنع الحب.”
—
سكتت.
—
لم تجد ردًا.
—
لأنها… فهمت.
—
لكنها لم تكن مستعدة للاعتراف.
—
نظرت إليه.
—
ثم قالت:
“لنرَ…”
—
“ماذا؟”
—
“إلى أين سنصل… بهذه الحدود.”
—
ابتسم.
—
“تحدي؟”
—
“اختبار.”
—
“وأنا… لا أحب الاختبارات.”
—
“وأنا لا أحب النتائج.” قالت.
—
ضحك.
—
ثم قال:
“إذًا نحن في مشكلة.”
—
ابتسمت.
—
“أو في بداية شيء…”
—
“لا نعرفه.” أكمل.
—
نظرت إليه.
—
ثم قالت:
“وهذا… أخطر جزء.”
—
لكنها هذه المرة…
—
لم تبتعد.