لم تختفِ الحدود دفعة واحدة.
لم تنهار فجأة كما يحدث في القصص السريعة… بل بدأت تتآكل ببطء، بهدوء، دون أن يشعر أيٌ منهما متى تحديدًا لم تعد موجودة.
وهذا… كان الأخطر.
—
أصبحت اللقاءات أكثر تكرارًا.
رسائل قصيرة.
مكالمات أطول مما يجب.
ضحكات تأتي بسهولة.
وصمت… لم يعد يحتاج تفسيرًا.
—
وفي إحدى الليالي، كانا يسيران في شارع هادئ، بعيدًا عن ضجيج المدينة.
الأضواء خافتة، والهواء بارد قليلًا.
نور كانت تسير بجانبه، ويداها في جيب معطفها، بينما كان آدم ينظر أمامه… لكنه في الحقيقة، كان يراقبها.
—
“أنت صامت.” قالت.
—
“أفكر.”
—
“في ماذا؟”
—
“فيكِ.”
—
توقفت.
—
نظرت إليه.
—
“هذا ليس جيدًا.”
—
ابتسم.
“لماذا؟”
—
“لأنك بدأت تفكر أكثر من اللازم.”
—
“وأنتِ؟”
—
“أحاول أن لا أفكر.”
—
“وهل ينجح؟”
—
نظرت إليه.
—
“لا.”
—
صمت.
—
ثم قال:
“إذًا نحن في نفس المكان.”
—
“لا.” قالت بسرعة.
“أنت تتقدم… وأنا أتراجع.”
—
“لكننا ما زلنا معًا.”
—
“حتى الآن.”
—
“وهذا يكفي.”
—
نظرت إليه.
—
“بالنسبة لك.”
—
“وبالنسبة لكِ؟”
—
“لا أعلم.”
—
تابعا المشي.
—
الصمت هذه المرة… كان مختلفًا.
—
أقل راحة.
—
“نور…” قال بهدوء.
“إلى متى؟”
—
توقفت.
—
“ماذا تقصد؟”
—
“إلى متى سنبقى هكذا؟”
—
“كيف؟”
—
“قريبين… لكن ليس بالكامل.”
—
نظرت إليه.
—
“وهل تريد أن نكون بالكامل؟”
—
“نعم.”
—
صمتت.
—
“وهذا يخيفك.”
—
“نعم.”
—
“لماذا؟”
—
“لأنني… أعرف ماذا يحدث بعد ذلك.”
—
“ليس بالضرورة.”
—
“بالنسبة لي… دائمًا.”
—
اقترب خطوة.
—
“لكنني لست قصتك السابقة.”
—
“أعرف.” قالت.
—
“إذًا لماذا تعاملينني كأنني سأكونها؟”
—
ترددت.
—
“لأني لا أضمن غير ذلك.”
—
“ولا أنا أضمن أي شيء.” قال.
“لكنني أختار.”
—
“وأنا لا أستطيع.”
—
“لماذا؟”
—
“لأن الاختيار… يعني المخاطرة.”
—
“وعدم الاختيار… خسارة.”
—
نظرت إليه.
—
“وأنت لا تخاف من الخسارة؟”
—
“أخاف… لكني أكره الندم أكثر.”
—
سكتت.
—
ثم قالت:
“وأنا… أكره الألم.”
—
“والحب؟”
—
صمتت.
—
“الحب… جميل.”
—
“إذًا؟”
—
“لكن نتائجه… ليست دائمًا كذلك.”
—
نظر إليها.
—
“ربما… المشكلة ليست في الحب.”
—
“بل؟”
—
“في الأشخاص.”
—
ابتسمت بخفة.
“وأنت ترى نفسك مختلفًا؟”
—
“لا… لكنني أحاول.”
—
“وهذا لا يكفي.”
—
“لكنه بداية.”
—
صمتت.
—
ثم قالت:
“آدم… ماذا تريد مني؟”
—
نظر إليها مباشرة.
—
“أريدك.”
—
تجمدت.
—
“بهذه البساطة؟”
—
“بهذا الوضوح.”
—
“وأنا… لست واضحة.”
—
“لكنني أراك.”
—
صمتت.
—
“تراني… أم ترى ما تريد؟”
—
“أرى الاثنين… وأختارك.”
—
تراجعت خطوة.
—
“لا تقل هذا…”
—
“لماذا؟”
—
“لأنك تجعل الأمر أصعب.”
—
“لأنني صادق؟”
—
“لأنني… بدأت أصدقك.”
—
سكت.
—
ثم اقترب ببطء.
—
“وهذا سيء؟”
—
نظرت إليه.
—
عيناها… لم تعودا حذرتين فقط.
—
بل… مترددتين.
—
“نعم…”
—
“ولماذا؟”
—
“لأنني لا أريد أن أصل للنقطة التي… لا أستطيع فيها التراجع.”
—
“ربما… لا تحتاجين أن تتراجعي.”
—
“وأنت؟”
—
“لن أطلب منك أكثر مما تريدين… لكنني لن أتظاهر أني لا أريد.”
—
صمتت.
—
ثم قالت:
“أنا لا أستطيع أن أعطيك ما تريده.”
—
“ولماذا تقررين ذلك الآن؟”
—
“لأنني أعرف نفسي.”
—
“أو لأنك تخافين منها.”
—
نظرت إليه.
—
“أنا لا أخاف من نفسي.”
—
“بل من ما قد تفعلينه.”
—
سكتت.
—
ثم قالت:
“أنا قد أؤذيك.”
—
“وأنا قد أتأذى… لكن هذا لا يعني أن لا نحاول.”
—
“وأنا أرى أنه يعني.”
—
صمت.
—
ثم قال:
“إذًا… سنبقى هنا؟”
—
“أين؟”
—
“في المنتصف.”
—
فكرت.
—
ثم قالت:
“ربما… هذا أفضل.”
—
“لمن؟”
—
“لي.”
—
“وأنا؟”
—
نظرت إليه.
—
ترددت.
—
ثم قالت:
“لا أعلم.”
—
صمت.
—
ثم ابتسم… لكن هذه المرة، لم تكن ابتسامته كما كانت.
—
“وهذا… أول جواب صادق منكِ لا يعجبني.”
—
تأثرت.
—
“أنا لا أريد أن أخسرك.”
—
“وأنا لا أريد أن أكون… مجرد احتمال.”
—
تجمدت.
—
“أنت لست كذلك.”
—
“إذًا ماذا أنا؟”
—
صمتت.
—
طويلًا.
—
ولم تجب.
—
وهنا…
—
فهم.
—
تنهد.
—
“حسنًا…” قال بهدوء.
—
“ماذا؟”
—
“لن أضغط.”
—
نظرت إليه.
—
“لكنني… لن أبقى هكذا إلى الأبد.”
—
تجمدت.
—
“هل هذا تهديد؟”
—
“لا… حقيقة.”
—
صمتت.
—
ثم قالت:
“أنا بحاجة لوقت.”
—
“وأنا أعطيتك.”
—
“ليس كافيًا.”
—
“بالنسبة لكِ.”
—
“وبالنسبة لك؟”
—
نظر إليها.
—
ثم قال:
“بدأ ينفد.”
—
سكتت.
—
وقلبها…
—
لأول مرة…
—
لم يكن خائفًا فقط.
—
بل… خسر توازنه.
—
لأنها أدركت شيئًا لم تكن تريد الاعتراف به:
—
أنه هذه المرة…
—
قد تخسر شيئًا حقيقيًا.