لم يكن الصباح مختلفًا عن غيره.
نفس الطريق، نفس الزحام، نفس الوجوه التي تمر دون أن تترك أثرًا. كان “آدم” يسير بخطوات معتادة، يحمل كوب قهوته بيد، وهاتفه باليد الأخرى، يراجع رسائل العمل دون اهتمام حقيقي. لم يكن متأخرًا، لكنه أيضًا لم يكن مستعجلًا… كأن يومه لا يحمل أي شيء يستحق الترقب.
توقف عند إشارة المشاة، نظر أمامه دون تركيز، ثم أخذ رشفة من قهوته. طعمها كان عاديًا… مثل كل شيء في حياته مؤخرًا.
“هل هذه حياتي فعلًا؟” سأل نفسه بصمت.
لكن السؤال لم يكن جديدًا.
هو فقط… لم يعد يحاول تجاهله.
—
في الجهة الأخرى من الشارع، كانت “نور” تقف أيضًا، تحمل حقيبة صغيرة على كتفها، وعيناها تراقبان الإشارة. لم تكن تنظر إلى أحد، لكنها كانت ترى كل شيء. اعتادت ذلك… أن تكون منتبهة دائمًا، حتى عندما لا يبدو الأمر ضروريًا.
كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا، وشعرها مربوط بطريقة عملية، وكأنها لا تهتم كثيرًا بالتفاصيل… أو ربما تهتم، لكن دون مبالغة.
نظرت إلى الساعة.
“دقيقتان.” تمتمت.
كانت تحب الدقة.
ليس لأن الوقت مهم… بل لأن الفوضى تزعجها.
—
تحولت الإشارة إلى الأخضر.
بدأ الجميع بالتحرك.
آدم تحرك.
نور أيضًا.
—
وفي منتصف الطريق…
اصطدما.
—
لم يكن اصطدامًا قويًا، لكنه كان كافيًا ليسكب جزءًا من القهوة على يد نور.
“آه!” قالت بسرعة وهي تسحب يدها.
“آسف!” قال آدم فورًا، وقد تفاجأ.
نظر إلى يدها.
“هل أنتِ بخير؟”
نظرت إليه، للحظة فقط.
ثم قالت:
“نعم… فقط ساخنة قليلًا.”
لكن نبرتها لم تكن غاضبة… بل مباشرة.
أخرج منديلًا بسرعة.
“تفضلي.”
ترددت.
ثم أخذته.
“شكرًا.”
—
صمت قصير.
—
ثم قال:
“هذا خطأي.”
“لا… أنا أيضًا لم أنتبه.” ردت بهدوء.
—
كان بإمكان كل منهما أن يكمل طريقه.
أن تنتهي اللحظة هنا.
لكن…
لم يحدث ذلك.
—
“أنا آدم.” قال فجأة، وكأنه لم يخطط للجملة.
نظرت إليه، وكأنها تفكر إن كان هذا ضروريًا.
ثم قالت:
“نور.”
—
صمت.
لكن هذه المرة… لم يكن فارغًا.
—
“حسنًا…” قال وهو يشير إلى الشارع.
“أعتقد أننا عطلنا المرور.”
نظرت حولها.
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.
“صحيح.”
—
تحركا معًا إلى جانب الطريق.
—
“هل تعملين هنا؟” سأل.
“نعم.” قالت باختصار.
“في أي مجال؟”
“تصميم داخلي.”
رفع حاجبيه.
“جميل.”
“وأنت؟”
“إدارة مشاريع… شيء ممل غالبًا.”
نظرت إليه.
“غالبًا؟”
“أحيانًا يبدو مهمًا… لكن في النهاية، كل شيء يتكرر.”
ابتسمت بخفة.
“يبدو أنك لا تحبه.”
“أحبه بما يكفي لأستمر… وليس بما يكفي لأشعر.”
—
توقفت للحظة.
نظرت إليه بشكل مختلف.
“هذا تعريف دقيق جدًا.”
—
ضحك بخفة.
“للأسف.”
—
نظر إلى يدها.
“هل ما زالت تؤلمك؟”
نظرت إليها.
“لا… اعتدت.”
—
“اعتدتِ؟”
“على أشياء أسوأ.” قالتها ببساطة.
—
توقف.
لم يسأل.
لكنه… أراد.
—
“حسنًا…” قالت وهي تنظر إلى ساعتها.
“يجب أن أذهب.”
—
“نعم… بالطبع.”
—
ترددت لثانية.
ثم قالت:
“تشرفت.”
—
“وأنا أيضًا.”
—
بدأت بالابتعاد.
—
خطوة.
—
ثم توقفت.
—
التفتت.
—
“آدم.”
—
نظر إليها.
—
“انتبه للقهوة القادمة.” قالت بابتسامة خفيفة.
—
ضحك.
“سأحاول.”
—
ثم أكملت طريقها.
—
بقي واقفًا.
يراقبها وهي تبتعد.
—
شيء ما في داخله… تغير.
بسيط.
لكن واضح.
—
“نور…” تمتم.
—
ثم هز رأسه.
“مجرد صدفة.”
—
لكن…
لم تكن كذلك.
—
في نفس اليوم، في مكتب نور…
جلست أمام حاسوبها، تحاول أن تركز.
لكن عقلها… لم يكن هنا.
—
“آدم…” قالت الاسم بصوت منخفض.
—
ثم توقفت.
—
“غريب…”
—
لم يكن هناك سبب واضح لتفكيرها فيه.
—
لكنه… بقي.
—
وفي المساء…
خرج آدم من عمله.
—
وقف أمام نفس الشارع.
—
نظر حوله.
—
كأنه… يتوقع.
—
لكنها لم تكن هناك.
—
ابتسم لنفسه بسخرية.
“ماذا كنت تتوقع؟”
—
ثم استدار.
—
لكن قبل أن يبتعد…
—
سمع صوتًا خلفه:
“يبدو أنك لم تتعلم بعد.”
—
تجمد.
—
التفت.
—
كانت هي.
—
نور.
—
تقف هناك… تحمل كوب قهوة.
—
“مرة أخرى؟” قال بدهشة.
—
“ربما.” قالت.
—
ثم رفعت الكوب قليلًا.
“لكن هذه المرة… لن أسمح لك أن تسكبه.”
—
ضحك.
—
اقترب خطوة.
—
“هل هذا يعني… أنكِ ستعطينني فرصة ثانية؟”
—
نظرت إليه.
—
ثم قالت:
“لا أعلم…”
—
توقف.
—
ابتسمت.
—
“لكن… يبدو أن الصدفة لا تحب أن تنتهي بسهولة.”
—
وهنا…
بدأ شيء.
—
شيء لم يكن أيٌ منهما مستعدًا له.
—
لكنهما…
لم يحاولا إيقافه.