بين ظلال المطر ونبض الغياب - رواية رومانسية

لم يتحرك سليم من مكانه فور اختفاء السيارة.

بقي واقفًا، وكأن عقله يحاول اللحاق بما حدث قبل لحظات. الصوت… النبرة… الجملة القصيرة التي لم تكن بحاجة إلى شرح.

“ابتعد عنها… إن كنت تريد أن تبقى بخير.”

لم يكن تهديدًا صريحًا، لكنه كان أوضح من أي تهديد.

مرر يده على شعره ببطء، ثم تنفس بعمق.

“ما الذي دخلت فيه…؟” تمتم.

لكنه كان يعرف الإجابة جزئيًا.

ليلى.

في الجهة الأخرى، كانت ليلى لا تزال في زاوية المبنى، ظهرها ملاصق للجدار، وعيناها على شاشة الهاتف.

لا رد.

الدقائق تمر، ولا شيء.

“أريد أن أتأكد أنكِ لم تنسي.”
“أنكِ لستِ كما تظنين.”

أعادت قراءة الرسائل مرة أخرى، وكأنها تحاول أن تجد معنى خفيًا بين الكلمات.

لكن المعنى… لم يكن خفيًا.

كان مباشرًا… وقاسيًا.

وضعت يدها على جبينها، أغلقت عينيها لثوانٍ، وكأنها تحاول أن تمنع شيئًا من الظهور.

ذكرى.

صوت.

وجه…

لكنها فتحت عينيها بسرعة، وكأنها ترفض.

“لا…” همست.

“انتهى.”

لكن هل انتهى فعلًا؟

خرجت من المبنى بعد دقائق، تحاول أن تبدو طبيعية.

لكن خطواتها لم تكن ثابتة.

كل شيء حولها بدا… مراقبًا.

كل شخص يمر بجانبها… احتمال.

كل سيارة… تهديد.

حاولت أن تتجاهل هذا الشعور.

لكن الشعور… لم يتجاهلها.

في المساء، كانت تجلس في غرفتها، الأنوار خافتة، والستائر مغلقة بإحكام.

الهاتف أمامها.

صامت.

لكنها لم تشعر بالراحة.

أمسكته أخيرًا، وبدأت تبحث في جهات الاتصال.

توقفت عند اسم.

“ريم”.

نظرت إليه طويلًا.

ثم ضغطت اتصال.

في الطرف الآخر، جاء الرد بعد رنينين فقط.

“ليلى؟”

صوت دافئ… مألوف… ينتمي إلى زمن مختلف.

ترددت للحظة، ثم قالت:
“نعم… أنا.”

“أخيرًا تذكرتِ أن لديكِ صديقة؟” قالت ريم بنبرة خفيفة، لكنها لم تخفِ القلق.

“أنا… كنت مشغولة.”

“مشغولة أم… تهربين؟”

صمتت ليلى.

ابتسمت ريم بخفة عبر الهاتف.
“حسنًا… هذا صمتك المعتاد.”

تنفست ليلى بعمق.
“ريم… أحتاج أن أسألك شيئًا.”

تغيرت نبرة ريم فورًا.
“ماذا حدث؟”

“هل… تعتقدين أن الماضي يمكن أن يعود؟”

“بأي معنى؟”

“أقصد… أن يظهر فجأة. دون مقدمات. وكأنه لم يرحل أبدًا.”

صمتت ريم لثوانٍ، ثم قالت:
“ليلى… هل حدث شيء؟”

“وصلتني رسالة.”

“من؟”

“لا أعلم.”

“وماذا تقول؟”

ترددت.

ثم قالت:
“يقول… أنه وجدني.”

ساد صمت ثقيل.

“ريم؟”

“ليلى…” قالتها ببطء.
“هل أنتِ متأكدة… أنه لا يمكن أن يكون… هو؟”

تجمدت ليلى.

كأن الكلمة التي لم تُقال… قيلت أخيرًا.

“لا…” قالت بسرعة.
“هذا مستحيل.”

“لماذا؟”

“لأنه… اختفى.”

“اختفى لا يعني انتهى.”

“انتهى بالنسبة لي.” قالتها بحدة، لكنها لم تكن واثقة.

“هل أخبرتِ أحدًا؟”

ترددت.

“هناك… شخص.”

“شخص؟” سألت ريم بسرعة.
“من؟”

“قابلته… أمس.”

“أمس فقط؟!” قالت ريم بدهشة.
“وأخبرته؟”

“ليس كل شيء…”

“ليلى، هذا خطر.”

“أعلم.”

“إذًا لماذا؟”

صمتت.

ثم قالت بصوت أخف:
“لأني… شعرت أنه يمكنني الوثوق به.”

تنهدت ريم.
“وأنتِ تعرفين كم مرة شعرتِ بذلك من قبل.”

الكلمات أصابت الهدف.

أغمضت ليلى عينيها.

“هذه المرة مختلفة.”

“تقولين ذلك دائمًا.”

“لا… هذه المرة… مختلفة فعلًا.”

في نفس الوقت، كان سليم في شقته، يجلس أمام حاسوبه المحمول.

الصورة التي التقطها للشارع معروضة أمامه.

قام بتكبيرها.

ثم أخرى.

يحاول أن يلتقط أي تفصيل… أي حركة… أي شيء غير طبيعي.

لكن لا شيء واضح.

“إذا لم يكن عشوائيًا…” قال لنفسه.
“فهو مخطط.”

أخذ نفسًا عميقًا، ثم فتح متصفحًا جديدًا.

بدأ يبحث عن رقم السيارة الذي لمح جزءًا منه.

لم يكن كاملًا… لكنه كان بداية.

“لن أبقى متفرجًا.” تمتم.

لكن داخله… لم يكن فقط فضول.

كان شيء آخر.

إحساس بالمسؤولية.

أو ربما… ارتباط لم يفهمه بعد.

عاد هاتف ليلى للاهتزاز.

رسالة جديدة.

توقفت عن الكلام مع ريم فجأة.

“وصلت رسالة.”

“ماذا تقول؟” سألت ريم بسرعة.

نظرت ليلى إلى الشاشة.

ترددت.

ثم قرأت بصوت منخفض:

“كان من الخطأ أن تتواصلي معها.”

تجمدت.

“ريم…” همست.

“ماذا؟”

“هو… يعرف.”

“يعرف ماذا؟”

“أنني أتحدث معك.”

ساد صمت.

لكن هذا الصمت… لم يكن عاديًا.

كان مليئًا بالخوف.

“ليلى…” قالت ريم ببطء.
“هل أنتِ متأكدة أن هاتفك… آمن؟”

نظرت ليلى إليه، وكأنها تراه لأول مرة.

“لا أعلم…”

“أغلقيه. الآن.”

“وماذا بعد؟”

“لا تبقي وحدك.”

نظرت ليلى حولها.

الغرفة… فجأة بدت ضيقة.

“أنا وحدي بالفعل…”

وفي تلك اللحظة…

سمعت صوتًا خافتًا.

طرقة على الباب.

تجمد جسدها بالكامل.

“ليلى؟” سألت ريم.
“ماذا هناك؟”

لم تجب.

الطرقة تكررت.

أقوى هذه المرة.

اقتربت ببطء من الباب.

كل خطوة… كانت أثقل من التي قبلها.

“من هناك؟” سألت بصوت مرتجف.

صمت.

ثم…

صوت.

هادئ.

مألوف… بطريقة مرعبة.

“افتحي يا ليلى… نحن بحاجة أن نتحدث.”

توسعت عيناها.

وتوقف قلبها للحظة.

لأنها… تعرف هذا الصوت.

لكن هذا… مستحيل.