لم يعد بإمكان يوسف أن يتعامل مع الأمر كفكرة عابرة.
بعد لقاء المقهى، وبعد الجملة التي قالتها ليان بوضوح قاسٍ: “أنا مش اختيار تاني”، لم يعد هناك مجال للهروب بسهولة كما كان يفعل.
في طريقه إلى المنزل، كان يسير ببطء، وكأن كل خطوة تمنحه وقتًا إضافيًا للتفكير، أو ربما لتأجيل المواجهة.
“أنا بحبها؟”
السؤال خرج هذه المرة واضحًا، بدون التفاف.
توقف في منتصف الطريق، كأنه اصطدم بإجابته قبل أن يسمعها.
لم يقل “نعم”… لكنه لم يعد قادرًا على قول “لا”.
عاد إلى منزله، دخل، وأغلق الباب خلفه.
جلس في الصالة، وحده، دون أي صوت حوله.
الصمت هذه المرة لم يكن مريحًا.
كان كاشفًا.
كل شيء أصبح واضحًا بطريقة مزعجة.
تفاصيل صغيرة بدأت تظهر فجأة في ذاكرته:
طريقتها في الضحك، أسئلتها التي كانت تبدو عادية، نظراتها التي لم يفهمها وقتها، صمتها الطويل الذي كان يمر عليه دون أن يسأل عنه.
“كنت مستنية.”
الجملة عادت مرة أخرى.
“مستنية إيه؟”
كان يعرف الآن.
مستنية كلمة.
مستنية خطوة.
مستنية منه… أن يرى.
لكنّه لم يرَ.
وفي اليوم التالي، استيقظ وهو يشعر بثقل داخلي لم يعتد عليه.
لم يكن حزنًا واضحًا، بل توترًا خفيًا، كأن هناك شيئًا يضغط عليه من الداخل دون أن ينفجر.
ذهب إلى العمل، جلس أمام جهازه، وبدأ يحاول أن يركز.
لم ينجح.
كل بضع دقائق، كانت صورة واحدة تعود.
ليان… وهي تقف بجانب عمر.
ابتسامتها.
قربهما.
تفاصيل لم يكن يهتم بها… لكنها الآن تؤذيه.
“يوسف!”
رفع رأسه.
كريم كان واقفًا، ينظر إليه بتركيز.
“إيه؟”
“إنت كويس؟” سأل.
“آه.” رد بسرعة.
كريم لم يقتنع.
“بصراحة؟ لا.”
يوسف تنهد. “مفيش حاجة.”
كريم سكت لحظة، ثم قال: “طب خليني أسألك سؤال مباشر.”
يوسف نظر إليه.
“إنت غيران؟”
تجمد.
“إيه؟ لا طبعًا.”
كريم ابتسم بهدوء.
“طب ليه مضايق؟”
يوسف سكت.
لم يكن يريد أن يقولها.
لكن الإجابة كانت واضحة جدًا.
“مش عارف.” قال.
كريم هز رأسه.
“يبقى غيران.”
“أنا مش بغير.” قالها يوسف بسرعة.
“الغيرة مش دايمًا شكلها واضح.” رد كريم. “ممكن تبقى إحساس بالضيق… من غير سبب واضح.”
يوسف لم يرد.
كريم أكمل:
“خصوصًا لما تحس إن في حد خد مكان… كان ممكن يبقى ليك.”
الجملة أصابت هدفها.
يوسف رفع عينه ببطء.
“مكان إيه؟ أنا ما كانش ليا مكان.”
كريم قال بهدوء:
“يمكن ما خدتش بالك إنه كان ليك.”
سكت يوسف.
لأنه… لم يعد متأكدًا.
بعد انتهاء العمل، خرج دون أن يقرر أين يذهب.
لم يفكر.
لم يخطط.
فقط… تحرك.
ووجد نفسه، مرة أخرى، أمام الحديقة.
توقف.
ابتسم بسخرية خفيفة.
“بقيت متوقع.”
دخل.
المكان كان هادئًا كعادته.
اقترب من الشجرة، وجلس.
هذه المرة، لم يفكر في الذكريات.
فكر في الحاضر.
في الحقيقة التي بدأت تتضح.
“أنا بغير.”
قالها أخيرًا.
بصوت مسموع.
لم تكن سهلة… لكنها كانت صادقة.
“بغير عليها.”
سكت.
ثم أضاف بصوت أهدأ:
“وبحبها.”
الكلمة خرجت.
واضحة.
بلا تردد.
ولأول مرة… لم يحاول إنكارها.
جلس للحظات، يستوعب ما قاله.
ثم ضحك بخفة، لكنها لم تكن مريحة.
“جميل… بس متأخر.”
وقف.
نظر حوله، ثم تنهد.
“طيب أعمل إيه؟”
السؤال لم يكن نظريًا.
كان حقيقيًا.
لأنه الآن، بعد أن فهم…
أصبح عليه أن يقرر.
يمشي؟
ولا يحاول؟
وفي نفس اللحظة…
سمع صوتًا خلفه.
“يوسف؟”
التفت.
ليان.
مرة أخرى.
نفس التوقيت.
نفس المكان.
لكن هذه المرة…
كل شيء مختلف.
لأنه لم يعد يراها كصديقة قديمة.
بل كشيء… لا يريد أن يخسره.
“إنت هنا تاني.” قالت.
ابتسم بخفة. “واضح إننا مش عارفين نسيب المكان ده.”
“أو مش عايزين.” قالت.
نظر إليها.
ثم قال بهدوء:
“أنا عايز أقولك حاجة.”
توقفت.
نظرت إليه.
“قول.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“أنا بدأت أفهم.”
رفعت حاجبها.
“تفهم إيه؟”
نظر إليها مباشرة.
وقال بوضوح:
“إن أنا… بغير.”
تجمدت.
الصمت نزل بينهما فجأة.
“وبغير عليكِ.” أكمل.
نظرت إليه ببطء.
لم تبتسم.
لم تتكلم.
فقط… كانت تسمع.
“وده معناه حاجة.” قال.
“إيه؟” سألت بهدوء.
تنفس بعمق.
ثم قال:
“معناه… إن أنا بحبك.”
الكلمة خرجت أخيرًا.
متأخرة…
لكن واضحة.
الصمت هذه المرة…
كان أثقل من أي وقت سابق.
ليان لم تتحرك.
لم تتكلم.
فقط كانت تنظر إليه.
كأنها تحاول أن تستوعب.
أو ربما…
تحاول أن تقرر ماذا تفعل بهذا الاعتراف المتأخر.
مرّت لحظات.
ثم قالت بصوت هادئ جدًا:
“دلوقتي؟”
الكلمة كانت بسيطة…
لكنها تحمل كل شيء.
يوسف لم يهرب.
“آه… دلوقتي.”
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت:
“يوسف…”
وسكتت.
لم تكمل.
وهنا…
بدأت اللحظة التي ستحدد كل شيء.
لكن السؤال لم يكن فقط:
هل تقبل؟
بل:
هل يمكن لما جاء متأخرًا…
أن يجد مكانًا أصلًا؟